الصفحة 16 من 330

ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين، فيكون بين البعثين عندهم أربعمائة وتسعون سنة، وتفصيل الكلام في ذلك في كتبهم، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

وقال الألوسي:"ونعم ما قيل إن معرفة الأقوام المبعوثين، بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوه، مما لا يتعلق به كبير غرض، إذ المقصود أنه لما كثرت معاصيهم، سلط الله تعالى عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى، وظاهر الآيات يقتضي اتحاد المبعوثين أولا وثانيا"

ونقول: نتفق مع الألوسي في بعض ما ذهب إليه، ونختلف معه في التقليل من شأن المبعوثين، التي ما أخبر بها سبحانه، في كتابه العزيز إلّا لكبير غرض، وهو إثبات أن هذا القران من لدن علّام الغيوب، لمن هم في شك يلعبون من المسلمين وغيرهم، فهذه النبوءة تحكي واقعا نعاصره الآن، بكل تفاصيله (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) ومعرفة وتحديد المرتين، أمر في غاية الأهمية. مع أن عبارته الأخيرة - رحمه الله - في النص السابق، التي أكد فيها"اتحاد المبعوثين أولا وثانيا"، وهو المفسّر الوحيد من القدماء، الذي أشار صراحة إلى هذا الأمر، أعطتني دفعة كبيرة للمضي قدما في هذا البحث، حيث كنت قد تتبعت الضمائر الواردة في الآيات، وتأكدت من هذا الأمر في بداية البحث، فقد أيّدت هذه العبارة، جانبا من الأفكار التي كنت أحملها، فيما يتعلق بهذه النبوءة، بعدما تبيّن لي من خلال الأحاديث النبوية، التي ذكرتها في بداية البحث، أنّ فناء دولة إسرائيل، سيكون قبل قيام الخلافة الإسلامية، التي ما زال عامة المسلمين، ينتظرون ويأملون قيامها، للقضاء عليهم وإنهاء وجودهم. وبما أن المبعوثين عليهم أولا وثانيا متحدين، فذلك يعني أن معرفتنا لمن بُعث عليهم أولا، ستقودنا بالضرورة لمعرفة من سيبعث عليهم ثانيا، وثالثا للكشف عن الكثير مما أحاط هذه النبوءة من غموض، كان سببا في كثير من التفسيرات المغلوطة، التي أوقعت أُناس هذا العصر، في الحيرة والارتباك.

كان هذا عرضا لمجمل ما قاله المفسرين، أجلّهم الله ورحمهم جميعا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أحدا منهم، لم يعاصر قيام دولة اليهود للمرة الثانية، وكان أكثرهم حداثة، هو الألوسي الذي توفي سنة 1227 هجري، والملاحظ من أقوالهم، أنهم أجمعوا على أن تحقّق المرتين، كان قبل الإسلام، ونسبة إحدى المرتين، إلى البابليين وبقيادة بختنصر (نبوخذ نصر) على الأغلب، وهو الحدث المشهور تاريخيا بما يُسمّى (السبي البابلي) .

ومعظم ما تقدّم من روايات هي أخبار موقوفة، على أصحابها، وأصلها أهل التوراة، حيث أنها المصدر الوحيد لمثل هذه الروايات،، فامتلأت التفاسير منها، وهي ليست مما يُرجع إليه من الأحكام، التي يجب بها العمل، فتُتحرى في صحتها أو كذبها، لذلك تساهل كثير من المفسرون في نقلها، وهي في بعض منها أقرب إلى الخرافة.

أمّا المعاصرين من المفسّرين، فقد أعاد أغلبهم نسخ أقوال القدماء بشكل مختصر، وأضافوها إلى كتبهم، ولم يأتوا بجديد إلا واحدا، هو الشيخ سعيد حوى رحمه الله، حيث أعلمني أحد الزملاء بذلك، عندما عرضت عليه بعض نتائج هذا البحث، فقال لي بأن إحدى النتائج التي خرجت بها، كان الشيخ قد أوردها في تفسيره، وقد اطّلعت على تفسيره لهذه الآيات مؤخرا، فوجدت بأن الشيخ، قدّمها كاحتمال موسوم بالشك، ولكنا نطرحها على وجه اليقين، الذي لا يُخالطه شك، بإذن الله.

أما أناس هذه الأيام، ممن علم أو لم يعلم، فقد جاءوا بتفسيرات وأقوال شتى في هذه الآيات، منها ما وافق تفسيرات القدماء وأقوالهم من جانب، وخالفها في جوانب آخرى، ومنها ما خالفها جملة وتفصيلا.

بعض من أسباب الاضطراب والارتباك، في تفسير آيات سورة الإسراء؟

1.هجر القرآن

القرآن في العادة، لا يُقرأ من قبل عامّة المسلمين، هذه الأيام، إلا ما رحم ربي، وإن قُرء، فهي قراءة بلا تفكّر أو تدبّر، حتى أصبحنا إذا سمعناه، يصدر من أحد البيوت، في حيّ أو شارع قريب، تساءلنا فيما إذا كان أحدهم قد مات، قال تعالى (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت