بعد مراجعتي لمعظم الآيات القرآنية، التي تحكي سيرة بني إسرائيل، تبيّن لي الكثير من الوقائع المبهمة في تاريخهم، والمفاهيم المغلوطة، التي كنت أحملها ويحملها عامة المسلمين، والتي سيرد تفصيلها في هذا الفصل إن شاء الله. كنت سأقتصر بحثي في تاريخ بني إسرائيل، لإثبات تحقق وعد المرة الأولى من علو وإفساد وعقاب، ولكن تبين لي من خلال الأحاديث العامة، وعند طرحي لموضوع هذا البحث، أن كثيرا من الناس، يجهلون تاريخ بني إسرائيل، وخاصة ماهيّة الأحداث التي حصلت معهم، وموقعها من حيث الزمان والمكان، والتي ذُكرت متفرقة في القرآن، وبلا ترتيب في أغلب الأحيان، ويجهلون أيضا حتى ترتيب أنبياء بني إسرائيل وتعاقبهم، لذلك اضطررت لتعقب تاريخهم منذ البداية، لما فيه من فائدة.
إبراهيم عليه السلام
حسبما ورد عن أهل الكتاب، أن إبراهيم عليه السلام، كان مقيما في بلدة أور في جنوب العراق، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(24 العنكبوت) ، (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(26 العنكبوت) ، (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(71 الأنبياء) ومن ثم انتقل إبراهيم ولوط عليهما السلام، وهو الوحيد الذي آمن له من قومه، إلى فلسطين.
وسكن لوط عليه السلام قرية (سدوم وعمورة) حسب تسمية التوراة، في موضع البحر الميت حاليا، واستمر إبراهيم عليه السلام على الأرجح، إلى المدينة المسمّاة باسمه لغاية الآن - وهي الخليل جنوبي القدس - وسكن فيها، وظاهر النص القرآني، يفيد بأنهما لم يكونا متزوجين، ولو كانا متزوجين، لذُكِرَ أهلهما عند النجاة، كما اقترن ذِكْر الأهل مع الأنبياء، في كل من حالات النجاة والهجرة، التي وردت في القران، كما في الآية (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ(76 الأنبياء) ، والآية (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ... لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ(32 العنكبوت) ، والآية (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ(29 القصص) ليفيد ذلك أنهما هاجرا منفردين وفي مقتبل العمر، وأن الزواج حصل بعد الإقامة، وعلى الأرجح، من نفس الأقوام التي دخلوا عليها وعايشوهاكأفراد، والله أعلم.
قال تعالى على لسان إبراهيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لي عَلَى الْكِبَرِ، إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39 إبراهيم) ، ومرت سنون طويلة، وبعد أن تقدم إبراهيم عليه السلام في العمر، وهبه الله جلّ وعلا إسماعيل أولا من هاجر، فأسكنه وأمه في مكة، ومن ثم رُزِقَ بإسحاق في شيخوخته، من سارة التي أصبحت عجوزا، ومن ثم وُلِدَ يعقوب لإسحاق عليهما السلام، قال تعالى (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(71) قَالَتْ يَوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72 هود) .
مسألة بناء البيت الحرام والمسجد الأقصى:
قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96 آل عمران) .
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ، قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ، قَالَ: ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: أَرْبَعُونَ، ثُمَّ قَالَ: حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ) رواه البخاري، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد. جاء في شرح السندي، لنفس المتن عند ابن ماجة، ما نصه:"قوله (وُضِعَ أول"