الصفحة 55 من 330

)بالبناء على الضمة، (قال أربعون عاما) قالوا: ليس المراد بناء إبراهيم للمسجد الحرام، وبناء سليمان للمسجد الأقصى، فإن بينهما مدة طويلة بلا ريب، بل المراد بناؤها قبل هذين البناءين، والله أعلم"."

ومن معاني (الوضع) ، في لسان العرب"والمواضع معروفة، وواحدها موضع، والموضع هو اسم المكان، وفي الحديث:"ينزل عيسى بن مريم فيَضَعُ الجزية"، فتوضع الجزية وتسقط، وفي الحديث:"و يَضَعُ العلم"أي يهدمه ويلصقه بالأرض، ووَضَعَ الشيء وَضْعًَا أي اختلقه وأوجده، ووضع الشيء في المكان، أثبته فيه".

ولم تأتي (وُضِعَ) بأي حال من الأحوال بمعنى (بُنِيَ) ، وذلك يفيد بأن الوضع كان للقواعد فقط. وقد رُوي أن آدم عليه السلام، هو أول من بنى الكعبة، واتخذت مكانًا لعبادة الله، ومن ثم تحول الموضع لعبادة الأصنام، وأزيلت معالم ذلك البناء، بفعل الطوفان زمن نوح عليه السلام، واختفت هذه القواعد نتيجة تراكم الأتربة، على مرّ السنين. وإعراب (وُضِعَ) في كلا الموضعين، هو فعل ماضٍ مبني للمجهول، أي أن فاعل الوضع غير معلوم في النص، وجاءت بمعنى تعيين وتحديد مكان البيت، وهناك روايات بأن الملائكة كشفت لآدم عن موضعه، عندما بناه لأول مرة. وبلغة مسّاحي الأراضي، نستطيع القول أن (وُضع) ، جاءت بمعنى تحديد وإسقاط إحداثيات الموقع على الأرض، وتثبيت حدوده.

ولا يختلف اثنان، على أن من أعاد بناء البيت الحرام، هما إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، بدلالة قوله تعالى (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(26 الحج) ، بوّأنا أي كشفنا وأظهرنا له موضعه ومكنّاه منه وأذنا له في بنائه، ومن ثم كان البناء برفعه فوق القواعد، في قوله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ(127 البقرة) ، والغاية من بناءه هو جعله مكانا للعبادة، بما تشمله من طواف وقيام وركوع وسجود، لمن يستجيبوا لرسالة الإسلام، كما ورد في الآية أعلاه، التي كان يحملها إسماعيل عليه السلام، المقيم في ذلك المكان (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا(54 مريم) .

يعقوب ويوسف عليهما السلام

قال تعالى (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا(58 مريم) ، ويعقوب عليه السلام هو إسرائيل، والمقصود ببني إسرائيل، هم نسل يعقوب عليه السلام، وحسب ما ترويه التوراة، أنه ترك مقام أبيه إسحاق في فلسطين، وهاجر إلى خاله في العراق، ورعى عنده الغنم عدة سنين، وتزوج اثنتين من بناته، وعاد إلى فلسطين مرة أخرى، وقد رُزق عليه السلام باثني عشر ابنا، وأبرزهم يوسف عليه السلام، في قوله تعالى (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(4 يوسف) ، وقوله (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا(100 يوسف) . أي أجلس أبوه وأمه إلى جواره، احتراما وتقديرا وتوقيرا، ومن ثم سجد له أخوته الأحد عشر، دون أبويه، ففي الأية (4) كانت الرؤيا الأولى، للأحد عشر كوكبا والشمس والقمر، ومن ثم كانت الرؤيا الثانية، لسجود الأحد عشر كوكبا، دون الشمس والقمر، وهذا ما تؤكده الأية (100) ، حيث رُفع الأبوين إلى العرش، ومن ثم وقع السجود من الأخوة.

أما مكان سكنى يعقوب عليه السلام، ومن قوله تعالى على لسان يوسف (وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ(100 يوسف) ، يتبين لنا أنهم كانوا قد سكنوا الصحراء، وعاشوا حياة البداوة، ومن المعروف أن مهنة البدو، هي تربية المواشي، وتبادل منتجاتها مع أهل الحضر، ومن قوله على لسان أخوة يوسف أيضا (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(82 يوسف) والقرية، هي مكان تواجد يوسف عليه السلام في مصر، حيث تركوا الأخ الشقيق ليوسف، وقولهم هذا وتردّدهم لأكثر من مرة على مصر، يدل على قربهم منها، وقولهم (وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) يدل أنهم ذهبوا إلى مصر ورجعوا في قافلة، وأفرادها يقطنون معهم أو بالقرب منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت