الصفحة 56 من 330

والأرجح أن تكون هذه الصحراء، التي كانوا يقيمون فيها قريبة إلى مصر، وربما تكون صحراء النقب، جنوب فلسطين، وفي منطقة بئر السبع بالذات، حيث سكنى بدو فلسطين، وهو الأرجح والله أعلم.

الانتقال إلى مصر:

وبعد أن تبوّأ يوسف عليه السلام في مصر منصبا، يوازي منصب وزير الخزينة، أو المالية في عصرنا الحالي، لدى فرعون مصر، انتقل يعقوب وبنوه، للحاق به في مصر، قال تعالى (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(99) ... (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَني مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (101 يوسف) ، ودخلوها معزّزين مكرّمين آمنين، وقوله (آمنين) يوحي بأن ليس كل من دخل مصر آنذاك، ليقيم فيه من الغرباء والدخلاء، سيكون آمنا على نفسه، من الاضطهاد والاستعباد.

بعض مظاهر الحكم المصري:

قصة يوسف عليه السلام أشهر من أن تعرّف، لذلك سنوردها باختصار، ونركّز على بعض ما خفي منها. حيث كانت مصر آنذاك إحدى كُبريات الممالك القديمة، بدلالة قوله تعالى (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ...(54 يوسف) ، وعلى لسان مؤمن آل فرعون (يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ(29 غافر) ، ونظام الحكم فيها ملكي وراثي، وكلمة فرعون ربما تكون اسم أو لقب للملك، ويقال أن الفراعنة لم يكونوا ملوك مصر، في زمن يوسف عليه السلام، فسواء كان هذا أو ذاك، فنحن نصف الأوضاع في مصر بشكل عام.

حيث يبدو أن المجتمع المصري، كان يتألّف من أربع طبقات:-

الطبقة الأولى: العائلة الملكية، التي هي في مصاف الآلهة من حيث الحقوق والامتيازات.

الطبقة الثانية: الأشراف من المصريين، الموكل إليهم الأعمال التنفيذية، ويتمتعون بامتيازات استثنائية، من وزراء وما شابه، وهم علية القوم وسماهم سبحانه ملأ فرعون، في قوله (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(88 يونس) . ومنهم العزيز صاحب يوسف عليه السلام، وهامان الذي كان يشغل ما يشبه، منصب رئيس الوزراء في عصرنا هذا، قال تعالى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36 غافر) .

وانضوى يوسف عليه السلام ضمن هذه الطبقة، مع أنه كان من الغرباء، كونهم كانوا بأمسّ الحاجة لعلمه وحكمته، لإدارة شؤون البلاد الاقتصادية، في سنين الجفاف،، لا لشيء آخر. بعد أن أصبح عليه السلام من المقربين للملك، (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(54 يوسف) حيث كان عبدا مملوكا لذلك العزيز، الذي قال عنه يوسف عليه السلام، عندما رُووِدَ عن نفسه للوقوع في الزنا، بزوجة من أكرمه وأحسن مقامه: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23 يوسف) أي لن أظلم نفسي بمعصية الله، ولن أظلم زوجك بنكران معروفه معي، إذ قال لها زوجها عند شراءه (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا(21 يوسف) ، ولفظ ربّ في الآية السابقة جاء بمعنى صاحب أو مالك، ولفظ العزيز هو لقب يُطلق على الأشراف، ذوي المناصب الرفيعة، وقد خُوطب به يوسف عليه السلام، من قِبَل أخوته في الآية (88) . ويبدو أن المجتمع المصري كان منغلقا على نفسه، ولا يخالط الغرباء من منظور الفوقية والاستعلاء، ويخاف الغرباء ويخشاهم وبالتالي كان ينبذهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت