الصفحة 57 من 330

والطبقة الثالثة: عامة المصريين وهم يعملون بالوظائف العامة والخاصة، وامتيازاتهم عادية، وشملت هذه الطبقة نسبيا بني إسرائيل، في زمن يوسف عليه السلام.

والطبقة الرابعة: العبيد عن طريق الشراء وما شابه، وأغلبهم من غير المصريين، بلا حقوق وبلا امتيازات، بل على العكس ليس لهم إلا المهانة والازدراء، ويعملون بقوتهم اليومي في الزراعة والبناء والخدمة، ومن ضمنها صاحبيّ السجن، وشملت بني إسرائيل، بعد يوسف عليه السلام، حتى زمن موسى عليه السلام. والمخطئ من هؤلاء العبيد في حق المصريين، كان مصيره السجن أو العذاب الشديد أو القتل، وبدون محاكمة على الأرجح، وخاصة إذا كان خصمه مصريا، حتى ولو أُتهم زورا وبهتانا.

وأما الموقع الجغرافي لعاصمة الملك، وبدلالة هذه الآيات (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51 الزخرف) ، (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ(24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27 الدخان) ، فهو يقع على مجرى نهر النيل، في أخصب الأراضي المصرية، أما سكنى فرعون وآله (أي عائلته) كانت خارج المدينة، بمعزل عن الشعب، وقصره مقام على ضفاف النيل.

هل كان يوسف داعية إلى الله في مصر؟ نقول نعم، وقد بدأ الدعوة في السجن، عندما قال لصاحبيّ السجن (يَصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ، مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40 يوسف) ، واستمرت دعوته حتى مماته، قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ، فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا، كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ(34 غافر) وهو يعني أهل مصر، وكان يوسف عليه السلام، يدعوا إلى الله تعالى بالقسط، فما أطاعوه تلك الطاعة، إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي، ولهذا قال مؤمن آل فرعون: (فما زلتم في شك مما جاءكم به، حتى إذا هلك، قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) ، وطال الأمد بقوم فرعون وببني إسرائيل، فضلّوا إلا قليلا، وكان منهم مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وعلى لسانه جاءت هذه الآية، ومنهم أيضا أهل موسى عليه السلام.

أحوال بني إسرائيل في مصر بعد وفاة يوسف عليه السلام وحتى خروجهم منها:

بعد زوال سندهم لدى فرعون، أصبح حالهم حال العبيد. وربما يكون ذلك في زمن فرعون نفسه، أو من مَلَك بعده، بعد وفاة يوسف عليه السلام، لزوال المصلحة والنفع الذي تأتّى من علم يوسف، وحكمته في الإدارة والاقتصاد. واستمر حالهم كذلك حتى خروجهم مع موسى عليه السلام، وحسب ما يُروى أن المدة، ما بين دخولهم إلى مصر، وخروجهم منها هي أربعمائة سنة، والله أعلم، وحالهم في تلك الفترة الزمنية، يصفه القرآن بما يلي: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4 القصص) ، (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ(49 البقرة) ، (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ(30 الدخان) ، وازداد العذاب والاضطهاد لهم، ببعث موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه.

موسى عليه السلام

والحكمة الإلهية التي أرادها الله من بعث موسى عليه السلام، هي ما ابتدر به رب العزة سورة القصص، بقوله (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ علَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ، مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6 القصص) والقصة بتمامها، مفصلة في سورة القصص وسورة طه، وقصة موسى معروفة ومألوفة لدينا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت