حيث وُلد عليه السلام، وألقته أمه في النيل، خوفا من ذبحه، فالتقطه آل فرعون، واعتنوا به. حتى إذا بلغ أشدّه، قتل مصريا، فأتمر به ملأ فرعون، فغادر مصر متجها إلى مدين، ولم يكن قد لقي بلاء قبل ذلك، فقد كان ربيبا منعمّا في آل فرعون، ولم يكن عليه السلام، قد أُوحيَ إليه بعد، وإنما كان مسلما، على دين آبائه إبراهيم إسحاق ويعقوب عليهم السلام.
الموقع الجغرافي لمَدْيَن:
قيل فيها في المعاجم: أنها تقع"قرب بحر القلزم (البحر الأحمر) محاذية لتبوك، وتقع بين وادي القرى والشام، وقيل اتجاه تبوك بين المدينة والشام، وقيل هي كفر سندة من أعمال طبرية، وقيل بلد بالشام معلوم تلقاء غزة، وفي (البداية والنهاية) :"كان أهل مدين قوما عربا، ومدين هي قرية من أرض معان، من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز، قريبا من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعد قوم لوط بمدة قريبة"."
والقول الأخير هو أفضل ما قيل فيها، وهو الأرجح فهي تقع شرقيّ نهر الأردن، في السفح المطل على فلسطين، قبالة أريحا، حيث المكان المسمى بوادي شعيب حاليا، والذي يقع فيه مقام النبي شعيب عليه السلام، في جبال محافظة البلقاء الأردنية، وهي أرض خصبة تصلح لزراعة القثائيّات، وفيها الأشجار المثمرة، وعيون الماء، ويؤيد ما ذهبنا إليه قوله تعالى، على لسان شعيب مخاطبا قومه (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ(89 هود) ، والمقصود هنا البعد المكاني، حيث المسافة بين قرية شعيب والبحر الميت (بحيرة لوط) ، لا تتجاوز (20) كم، أما البعد الزماني بين لوط وشعيب، فيُقدّر بمئات السنين، حيث أن لوط عاصر إبراهيم، وشعيب عاصر موسى عليهم السلام.
وكما ورد في الروايات، كان أهل مدين، يقطعون السبيل ويخيفون المارة، وهم أصحاب الأيكة أي الأشجار الملتفة والمتشابكة - وهي صفة موجودة أيضا في تلك المنطقة - وكانوا من أسوء الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص، فآمن بشعيب بعضهم وكفر أكثرهم، (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(189 الشعراء) (فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(91 الأعراف) ، ولم تدمر ديارهم بل بقيت على حالها، ويقال أن ذلك كان في يوم شديد الحر، فبعث الله ظللا من الغمام، في بقعة قريبة من مكان سكناهم، فذهبوا ليستظلوا بها، فنزل بهم العذاب، وبقي في القرية من آمن لشعيب عليه السلام من قومه وهم قلة.
مقام موسى في مدين:
(وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ... ) ، خرج موسى من مصر وحيدا، (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ(22 القصص) ، ولم يكن يملك من أمره، إلا حسن ظنّه بربه عز وجل، حتى صار إلى مدين. فلبث موسى عليه السلام (8 - 10) سنين في أهلها، لقوله تعالى على لسان شعيب عليه السلام (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ...(27 القصص) وتزوج فيها ورعى الغنم، وتعرف إلى أهلها وعرفوه، وعرف سهولها وجبالها ووديانها، (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ... ) .
العودة إلى مصر:
وبعد أن قضى المدة المطلوبة منه، (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ(29 القصص) غادرها مع أهله وما تحصّل عليه من أغنام، تسيّره أقدار ربه. وكان خط مسيره، والله أعلم، باتجاه الجنوب، شرقي البحر الميت باتجاه مصر، حيث انحدر بأهله إلى وادي عربة، جنوب البحر الميت، فضلّ الطريق، وهناك أتاه هاتف السماء، لذلك قال تعالى ( ... ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى(40 طه) ، إلى موضع الوحي، في الوقت المقدّر. فأوكله الله بحمل الرسالة إلى فرعون، وأمره بالتوجه إلى مصر، ومن هناك سار - بخط شبه مستقيم -