بالرغم من تحريف التوراة، ونسخها وتأليفها عدة مرات، وضعف الترجمة إلى العربية وانحيازها. إلا أنها ما زالت تحوي بقية من كلام الله جلّ وعلا، تستطيع الاستدلال عليها، من خلال مقابلتها ومقارنتها، مع ما لدينا من وحي، وتستطيع أحيانا ملاحظة الأساليب، التي تم بها كتابة التوراة، من إضافة وحذف وتبديل لمواضع العبارات، كما أخبر عنها القرآن الكريم. وهذه البقية هي ما كان يستدل اليهود من خلالها وما زالوا، على بعض الأحداث المستقبلية، كبعث عيسى ومحمد عليهما السلام قديما، وما سيقع من أحداث النهاية مستقبلا.
وكما قلنا في الفصل السابق، أن معرفتهم بما وجد لديهم من نبوءات، كانت بمثابة القوة الدافعة، في تحركاتهم لاستباق تحقّق هذه النبوءات، على أرض الواقع، ولم ولن يألوا جهدا، في استعجالها إن وافقت أهوائهم، أو في تعطيلها إن خالفتها،
في هذا الفصل، سنتتبع في البداية، بعض الأخبار التي وردت في التوراة، بشكل مقتضب وسريع، ومن ثم سنعرض جانبا من النبوءات التوراتية، التي تحققت في الماضي، وجانبا من النبوءات التي لم تتحقق بعد، مما يُساعد على استقراء بعض النبوءات المستقبلية لديهم، لنتعرّف على المخاوف اليهودية، وتطلعاتهم وأحلامهم وأمانيّهم، المتعلّقة بعودتهم إلى فلسطين للمرة الثانية.
ومن خلال هذا الكشف تستطيع التعرف على حقيقة العقلية، التي يُفكّر بها يهود، ومن ثم قراءة مواقفهم وسياستهم، على الساحتين العالمية والإقليمية، وتستطيع أيضا قراءة سياسات ومواقف أمريكا، التي يحكمها ويديرها في الخفاء، زعماء المؤامرة العالمية، من الأثرياء والحاخامات اليهود، لتجد أن التوراة ونبوءاتها هي ما سيّر اليهود في الماضي، وهي ما يُسيّرهم في الحاضر والمستقبل.
قال تعالى (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ(79 البقرة)
وقال أيضا (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ(89 البقرة)
وقال أيضا (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا، يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(78 آل عمران)
خبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في سفر التكوين
وعد الله لنسل إبراهيم بامتلاك الأرض:
"تكوين: 15: 18: في ذلك اليوم، عقد الرب ميثاقا مع إبراهيم، قائلا: سأعطي نسلك هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات".
"تكوين: 17: 4 - 8: ها أنا أقطع لك عهدي، فتكون أبا لأمم كثيرة، وأُصيّرك مُثمرا جدا، يخرج من نسلك ملوك، فأكون إلها لك ولنسلك من بعدك. وأهبك أنت وذريّتك أرض كنعان التي نزلت فيها غريبا، مُلكًا أبديا".
ـ تكرار الوعد لإبراهيم، بأرضين مختلفتين، ناتج عن كون التوراة، جُمعت من مصدرين مُختلفين كما سبق وأوضحنا، وأحد المصدرين أقل تطرّفا ومُغالاة، في التحريف والكذب من الآخر، وهذا الوعد بما أنه كان لإبراهيم ونسله، فهو ليس حكرا على نسل إسحاق، بل يشمل نسل إسماعيل أيضا.