بما أن المرتين متشابهتين تماما، فلو فرضنا جدلا أن القول السابق صحيح، لكان من الأحرى، أن يأتي النص في الحديث عن المرتين مجملا، على سبيل المثال، على النحو التالي، ( ... لتفسدن ... مرتين ولتعلن علوا كبيرا ... فإذا جاء وعد كل منهما، بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ... فأساءوا وجوهكم ودخلوا المسجد ... وكان كلٌّ من الوعدين مفعولا ... وتبّروا ما علوا تتبيرا) .
السؤال الرابع: لماذا فَصَلت وفَصَّلت الآيات، كلّ مرة على حدة؟
الآية الرابعة، أجملت ثلاثة شروط من شروط المرتين، وهي الأرض (المقدّسة) والعلو والإفساد، والآية الخامسة أفردت وأوجزت الحديث عن الوعد (العقاب) الأول، فذكرت البعث والجوس وصفة العباد، وجاءت الأفعال كلها بصيغة الماضي. والآية السادسة فصّلت مظاهر العلو الثاني، من لحظة النشوء حتى اكتمال مقوماته، من حيث القدرة العسكرية والبشرية والاقتصادية، وجاءت الأفعال كلها بصيغة الماضي، مع حملها لصفة الاستقبال.
السؤال الخامس: لماذا جاءت أفعال وعد الأولى بصيغة الماضي، ولماذا جاءت أفعال وعد الآخرة بصيغة الاستقبال؟
السؤال السادس: لماذا جاء التخيير ما بين الإحسان أو الإساءة، بعد اكتمال مظاهر العلو الثاني، وقبل الحديث عن عقاب وعد الآخرة، ولم يأتِ عند الحديث عن وعد الأولى؟
السؤال السابع: لماذا أُخرجت كيفية مجيئهم، عند مجيء وعد الآخرة من نص النبوءة، ولماذا أُفردت في نهاية السورة؟
السؤال الثامن: لماذا أُعيد ذكر بني إسرائيل وقصّتهم مع فرعون في نهاية السورة، الآيات (101 - 104) ؟
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)
تُشير هذه الآية، بذكر المسجد الحرام، إلى نقطة البداية، لانتشار رسالة الإسلام، التي أنعم الله وأكرم بها نبيه، محمد عليه الصلاة والسلام. وبذكر المسجد الأقصى، تُشير من طرف خفي، إلى ما ورد في الحديث الصحيح، إلى أن مسك الختام لهذه الرسالة، آخر الزمان، سيكون بنزول الخلافة الراشدة، وأميرها المهدي في بيت المقدس، بإذن الله. وهذا مما يوحي بأن قيام دولة إسرائيل، هو أحد أشراط الساعة، وأن نهايتها، علامة لقرب ظهور المهدي ونزول الخلافة فيها، والله أعلم. وأهم ما جاءت به الآية هو تعريف المسجد، بوصفه بالأقصى أي الأبعد، وبالذي باركنا حوله، وهو المسجد الذي سيكون موضوع ما يلي هذه الآية من آيات.
(وَآتيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا(2)
في هذه الآية، يحذّر الله بني إسرائيل، من الاتّكال على غيره (لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ .. وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ(28 آل عمران) ويختم سبحانه السورة، بقوله ( .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ .. ) أي لم يتخذ له حليفا لضعف أو لذلّة، وهذا تعريض بالعلو الحالي لبني إسرائيل، حيث كانوا أذلّاء مضطهدين، وبموالاة الغرب أصبحوا سادة.
ويذكّرهم فيها بما أنزله عليهم من الهدى، ليكون لهم نورا يهتدون به، ومن ضمنه هذه النبوءة، التي أعادها إلى أذهانهم مخاطبا إياهم بمضمونها، وكما وردت في الكتاب الذي أُنزل على موسى عليه السلام، ويحذّرهم من اتّخاذ أولياء من دونه، من الإنس والجنّ على حدّ سواء.
فاختاروا الولاء لغير الله، وتمسكنوا، وحقّقوا مآربهم منذ البداية بالفساد والإفساد، بما خطّطوا له بمكرهم ودهائهم، ونفذّه غيرهم، من فتن وحروب سبقت وهيّأت الظروف، وتسبّبت في قيام دولتهم في فلسطين. ولما تمكنوا استعلوا واستكبروا فيها، استمروا بالفساد والإفساد، وساموا أهلها سوء العذاب، فاستحقّوا غضب الله واستوجبوا العقاب، فتوافق أمرهم مع ذهب إليه النص القرآني، بذِكر