إفسادهم في الأرض بمجملها أولا، ومن ثم جاء ذِكر علوهم الكبير الذي نشهده هذه الأيام، في قوله تعالى (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) .
(ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا(3)
يقول ابن كثير:"تقديره يا ذريّة من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه على المنة"وهذا النداء موجّه لبني إسرائيل، وبالإضافة لما قاله ابن كثير، نلمس تهديدا وتحذيرا خفيا لبني إسرائيل، من وراء ذكر نوح عليه السلام، فعادة ما كان سبحانه وتعالى، يمنّ عليهم بتذكيرهم بنعمة النجاة من فرعون وقومه، (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ(50 البقرة) إلا في هذا الموضع، وهي المرة الوحيدة في القرآن التي يمنُّ عليهم فيها، بأنهم سلالة من حمل مع نوح عليه السلام، أي من الذين أنجاهم الله من الطوفان، حثا لهم على الإيمان به، والعبادة والشكر له كما كان يفعل نوح والذين حملهم معه، وأنّ فِعل هؤلاء هو الذي أنجاهم من الهلاك، فإن لم يفعلوا كما فعلوا، حلّ بهم ما حلّ بقوم نوح. وذِكْرُ نوح في هذا الموضع وتكرار ذكره، في الآية (17 الإسراء) (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) دفعني إلى إلقاء نظرة على سورة نوح.
ومنها قوله تعالى ( ... أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1) ... إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ... (4) ... فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) ... جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ... وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) ... قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) .. وَقَدْ أَضَلّوا كَثِيرًا ... (24) ... رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) ... وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28 نوح)
اقرأ هذه الآيات وتفكّر وتدبّر ( .. أولا إنذار .. ولا تأخير .. فرار .. إصرار واستكبار .. إمداد بأموال وأولاد .. وجنات وأنهار .. استهزاء وسخرية .. عصيان .. عبادة القوة والمال .. المكر الكبير .. الإضلال .. الكفر .. وأخيرا تبار .. )
وهذا هو حال بني إسرائيل .. وهذا هو الإفساد في الأرض .. وردُّ الله عليه أوله إنذار .. فإن كان هناك استكبار وإصرار .. كان هناك تبار. يقول سبحانه (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا(15 الإسراء) .
والرسول قد بُعث، منذ ألف وأربعمائة وإحدى وثلاثون عاما، وقد أتاهم بالإنذار في كتاب ربه، (وصحيفة الإنذار) الموجهة لتلك الأفاعي في الجحر الأبيض، وتلك الطفيّليات في منتجعات المال العالمية، التي تمتص بنهم دماء الكرة الأرضية، وتلك الفئران المستأسدة في قدس الأقداس، هي (سورة بني إسرائيل) ومن أول حرف فيها وحتى آخر حرف، حيث قال فيها (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا .. ) وقد ساد دولة الكفر ويسودها، قطاع الطرق واللصوص والقتلة، وأسافل مجرميها ( .. فَفَسَقُوا فِيهَا .. ) فاغتالوا أصالتها، وقدسيّة أرضها، ووقار شيخوختها، وسكينة عبّادها، وحياء حرائرها، وأحلام طفولتها، وحتى طهارة مساجدها ( .. فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ .. ) ، وهذا هو (قول) رب العزة، ( ... لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ... ) ، وهذا هو (فعله) ( .. فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا(16 الإسراء) وهذا هو (تعقيبه) ( ... وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17 الإسراء) وهذه هي (خاتمته) (وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا(111 الإسراء) .
اقتصرت مقدمة السورة على ثلاث آيات فقط، حملت من المعاني ما يشحذ الفكر والوجدان، ويعمل على تهييج العقل وتنبيهه من غفلته، لاستقبال واستيعاب ما سيأتي من عرض، لنبوءة ستغير مجرى التاريخ في يوم أو بضعة أيام. وهذه النبوءة تعني كل من سمع برسالات