الصفحة 24 من 330

السماء، وتمسّهم في صميم معتقداتهم، وأكثرهم تأثّرا هم أصحاب الديانات الثلاث، والذي يمتلك كل منهم مخزونا عقائديا، فيما يخصّ عودة اليهود إلى الأرض المقدسة، يلتقي مع أحدها ويتعارض مع الآخر في التفاصيل والأحداث.

(وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ، لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا(4)

وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ:

ورد جذر الفعل قضى في القرآن (63) مرة، ومشتقات هذا الفعل حملت عدة معاني، وعادة ما يأتي هذا الفعل، ليفيد تمام العمل الوارد نصا في السياق، أو المفهوم ضمنا، كما في قوله تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ(200 البقرة) ، بمعنى أنجزتم مناسككم وانتهيتم منها، وقوله تعالى في شأن لوط وقومه (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ، أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ(66 الحجر) ، أي أخبرناه بالأمر، على وجه الانتهاء منه، إذ لا رجعة عنه، فلا نقاش ولا جدال فيه، (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ(114 طه) ، أي من قبل أن تُخبر بوحيه، على وجه التمام.

وقوله تعالى (وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) أي أنّا كنّا قد أخبرنا بني إسرائيل في كتابهم - أي أن مضمون هذا الخبر موجود في كتابهم نصا حتى هذه اللحظة - بما سيأتي تفصيله فيما يلي، من شأن إفسادهم وعلوهم في الأرض، وهذا الخطاب، في هذه العبارة، موجّه في الحقيقة لمن هم من غير بني إسرائيل، ممن ليس لديهم، علم أو اطلاع على هذا الأمر، ليطلعهم الله على هذا الأمر، وما كان الله ليُخبر عنه إلا لعظيم شأن، وذلك من سابق علم علام الغيوب، بما سيكون منهم مستقبلا، وليس ما قضاه عليهم بمعنى الأمر أو الحكم، فحاشا لله أن يأمر بالإفساد في الأرض أو أن يقضي به.

والكتاب المقصود هنا هو كتاب موسى عليه السلام، المنصوص عليه في الآية الثانية أعلاه، وليس التوراة، فكتاب موسى شيء والتوراة شيء آخر. والذي قادني إلى معرفة تلك الحقيقة، هو تساؤلي، أولا: عن سبب عدم ذكر التوراة بدلا من الكتاب، وثانيا: رغبتي بالاطلاع على نص النبوءة في التوراة نفسها، فيما لو وجد. وبعد أن استخرجت كافة الآيات القرآنية، التي ذُكر فيها موسى، والتي ذُكرت فيها التوراة، تبين لي أن ذكر التوراة، لم يرتبط بذكر موسى على الإطلاق، وعدم الربط بينهما لا بد له من سبب، وبيان ذلك، والنص التوراتي للنبوءة في الترجمات العربية للتوراة اللاتينية، سيأتي في فصل قادم، إن شاء الله.

لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا:

هنا حصل التفات من الحديث عن الغائب، وهم بني إسرائيل ككل، في قوله تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) ، ومن ثم عاد سبحانه، لتوجيه الحديث إلى الحاضر المُخاطَب، وهم بني إسرائيل (المعاصرين) لرسالة الإسلام، وذلك بسرد النبوءة، بنفس الأسلوب والعبارات، التي أنزلت عليهم في كتابهم، قبل 3 آلاف، زمن موسى عليه السلام. فجاءت نصوصها مخاطبة لبني إسرائيل، ولكن بألفاظ عربية جزلة موجزة، كما وأضيف إليها تعقيبات، لتبين وتؤكد بعض ما تحقّق منها، قبل إنزالها في سورة الإسراء مرة أخرى، على محمد عليه الصلاة والسلام. فبدأت بقوله تعالى (لَتُفْسِدُنَّ ... وَلَتَعْلُنَّ ... ) .

في هذا الموضع قَرَنَ سبحانه، ما بين الإفساد والعلو في المرتين، في قوله (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا(4 الإسراء) ولم يوضح التفاصيل، ولتكون لدينا القدرة، على معرفة شكل هذا الإفساد وهذا العلو، دعنا نمعن النظر في الآيات التالية، حيث اقترن فيها الأمرين معا، في مواضع أخرى من القران الكريم، كقوله تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ... إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4 القصص) ، وقوله (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ(14 النمل) ، حيث جاءت هذه الآية، تعقيبا على فرعون وقومه لما علو وأفسدوا، وجحدوا بآيات الله، فكان جزاءهم الهلاك غرقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت