وقوله (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83 القصص) توضح هذه الآية، بأنّ جزاء من لم يُرد العلو والإفساد، سواء كان قادرا على ذلك أم لم يكن، هو أن يكون لهم حسن ثواب الدنيا والآخرة، والعاقبة للمتقين بإذن الله، وذلك تعقيبا على قارون وصنيعه وما حلّ به وبكنوزه، حيث قال تعالى فيما آتاه، من المال والقوة (وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ(76) ، فجحد نعم الله ونسبها إلى نفسه (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا(78) ، فعلا واستكبر (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ(79) ، فأهلكه الله (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ(81 القصص) ، ليجعله عبرة لغيره.
والملفت للنظر، أن اقتران العلو بالإفساد، جاء في أربع آيات فقط من مجمل القرآن، وكلها ذات علاقة ببني إسرائيل، وقد تقدم ذكرها أعلاه.
والقرآن كما نعلم أُنزل للناس كافة، منذ اليوم الأول لبعثة نبينا، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومن ضمن هؤلاء بني إسرائيل، الذين عاصروا هذه الرسالة وهذا القرآن، وقد ذكّرهم الله وما زال يُذّكرهم، في معجزته الخالدة بما حصل لفرعون وقارون، وهم أشدّ الناس قربا لهم، لما علوا وأفسدوا في الأرض، وأنّهم إن أصرّوا على الإفساد في الأرض، مضت فيهم سنة الأولين (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تحْوِيلًا(43 فاطر) ، وقال في سورة الإسراء (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا(77) لينالهم ما نال سابقيهم، من العذاب في الدنيا والآخرة، وأنّ لا مناص لهم للنجاة من سخطه وغضبة، إلّا بالعودة إليه والإنابة له، ولكن هيهات لمن قيل في أسلافهم (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ... وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(74 البقرة) .
علوّ بني إسرائيل في المرة الأولى، لم تتضح تفاصيله في سورة الإسراء، لكنها جليّة واضحة في مواضع أخرى من القران، وسيأتي الحديث عنها في حينه، أما ما نحن بصدده الآن، هو توضيح مفهوم العلوّ، ولدينا مثالين هما فرعون وقومه وقارون وكنوزه، وبما أنّ العلوّ المقصود هنا، هو علوّهم كأمّة وليس كأفراد، فالخيار يقع على علوّ فرعون وقومه، وهذه آيات تعرضت لبعض من مظاهر هذا العلو ومقوماته، قال تعالى (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51 الزخرف) وعلى لسان مؤمن آل فرعون (يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ(29 غافر) ، وقال (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(88 يونس) ، وقال (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ(24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27 الدخان) وبالقليل من التدبر في الآيات السابقة.
نجد أنّ مقومات علو فرعون وملأه، وهم علية القوم، ويمثلهم في زماننا، رجال الحكم والقضاء والدولة، ورجال السياسة والمال والإقتصاد، والوجهاء ورؤوس الناس، تتمثل فيما يلي: ملك مصر والسيادة على أهلها، والقوة والمنعة والظهور في الأرض، وامتلاك الزينة والأموال، والجنات والعيون، والأنهار الجارية، والزرع والمقام الكريم، والنعم المختلفة.
ـ مفهوم العلو: هو مظهر من مظاهر الحياة، بمعنى الاستعلاء والارتفاع والتكبّر والتجبّر، من خلال امتلاك مقومات مادية، كالأرض والمال والقوة، مما يُمكّن الظلمة والمفسدون من سيادة الناس وسياستهم، والتحكم في تصريف شؤونهم، على وجه من الظلم والبغي.
أما مفهوم الإفساد؛ فهو يتمثّل في بعض، ما قيل من آيات في فرعون وقومه، قال تعالى (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ(83 يونس) ، وقال (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4 القصص) ، وقال (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ(46 المؤمنون) ، وقال (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(12 النمل) ، وقال (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى(20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22)