الصفحة 26 من 330

فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى (24 النازعات) ، وقال (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي(38 القصص) (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54 الزخرف) (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى(79 طه) .

ومظاهر إفساده تتمثل فيما يلي: جعْلُ أهل مصر فرقا وطوائف متنابذة، واستضعاف طائفة منهم (بني إسرائيل) ، بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، والإسراف في كل أمره، والاستكبار والفسق، وتكذيب الرسل، ومعصية الله وجحود آياته، وادّعاء الربوبية والألوهية، واستخفاف الناس وإضلالهم.

ـ مفهوم الإفساد: استضعاف الناس وتفريقهم وتصنيفهم، وإثارة الفتن فيما بينهم، والقتل وسفك الدماء، وتكذيب الرسل، وتكذيب آيات الله وجحودها، ومعصية الله ورسله، واستخفاف عقول الناس وتضليلهم وإضلالهم، وإنكار ربوبية الله، وإنكار أحقيته في العبادة دون غيره.

وخلاصة القول: هذا هو مفهوم العلو، وهذا هو مفهوم الإفساد، الذي تتحدث عنهما سورة الإسراء، لذلك عند أي محاولة لتعيين أيٍّ من المرتين، يجب أن تكون الحالة موضوع البحث، مطابقة تماما لما كان عليه فرعون ومَلَئه، وكأنّ علو وإفساد بني إسرائيل، صورة في مرآة لعلو وإفساد فرعون ومَلَئِه، وما علينا إلّا أن نبحث، في ماضي بني إسرائيل وحاضرهم، عن أيّ حالة ترافق فيها مثل هذا العلو ومثل هذا الإفساد، كما هو الحال بالنسبة لفرعون وقومه. ولن نذهب بعيدا، فإحداهما موصوفة في القران الكريم وبالتفصيل أيضا. والأخرى نشاهدها بأم أعيننا على أرض الواقع، منذ أكثر من خمسين عاما.

فِي الْأَرْضِ:

قرن سبحانه وتعالى، بين الإفساد والعلوّ لكلتا المرتين بالأرض، ولفظ الأرض هنا اسم جنس، وجاءت كذلك لتشمل الجزء والكل والخاص والعام، حيث قال في الآية (4) (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) ولم يحدّد مكانا بعينه، وعاد سبحانه وحدّد موقع العقاب في المرتين، حين قال في الآية (7) (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ، كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) حيث ربط ما بين العقاب والمسجد، لنفهم من ذلك أن العقاب الموعود به بنو إسرائيل والمقصود هنا، سينفذ فيهم في المرتين، خلال تواجدهم في فلسطين (الأرض المقدسة) ، وذُكر المسجد للإشارة إلى المكان. وهذا المسجد تم تعريفه، في بداية سورة الإسراء، في قوله تعالى (الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ(1) وقوله الذي باركنا حوله، أي ما يليه من الأرض، ولم يقل باركنا فيه، أي لم تُحصر البركة في المسجد فقط، بل شملت ما حوله من الأرض.

والملاحظ أن ذكر الإفساد حُصر في المرتين، وأن ذكر الإفساد سبق ذكر العلوّ، وأن العلو لم يُحصر في المرتين، بل أُفرد ووصف بالكبير. وبما أن التركيز هنا على المرة الثانية، فذلك يوحي بأن الإفساد في المرتين متطابق، وبأن تحصيلهم للعلو، على الأقل في المرة الثانية، سيتأتى عن طريق الإفساد، وأن العلو الثاني أكبر من الأول، لذلك تأخر ذكر العلو وصفته، عن كلمة مرتين للاختلاف. ذلك لأن إفساد بني إسرائيل المُتأتّي عن العلوّ، اقتصر على حدود دولتهم، في فلسطين في المرة الأولى، وهذا ما يُثبته القرآن والتوراة. وأمّا إفسادهم وعلوّهم الأخير في فلسطين، والذي نعيشه الآن، سبقه ورافقه إفساد وعلو، شمل مشارق الأرض ومغاربها. والله أعلم.

وبما أنّ العقاب سيحل بهم في الأرض المقدسة، يترتب على ذلك، حتمية سبق وقوع الإفساد والعلوّ فيها، حتى ولو سبق منهم، الإفساد والعلو في الأرض على عمومها، أو تزامن مع إفسادهم وعلوهم، في الأرض المقدسة، لذلك جاء الحديث مجملا في الآية (4) ، وهي الآية الأولى من قصة الإفسادتين، فذُكر الإفساد والعلو، لاشتراط وقوعهما في المرتين، ولم يأتي بأي تفاصيل لأيّ من المرتين فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت