الصفحة 27 من 330

وخلاصة القول: أن الأرض التي سيتم فيها، علو بني إسرائيل وإفسادهم، هي الأرض على عمومها في المرة الثانية، وفلسطين بشكل خاص في المرتين. وأن عقابهم في المرتين، سيكون في الأرض المقدسة خاصة، وزوال علوهم في المرة الثانية، من الأرض على عمومها، والله أعلم.

مَرَّتَيْنِ:

المرة، هي الفعلة الواحدة، من شيء يُمكن تكراره، والجمع مِرار، واعتدنا أن نجمعها على مرّات. وقد أوضح سبحانه بما لا يدع مجالا للشك، أنهما مرّتان بصريح اللفظ. ولا يصحّ أن نُضيف ثالثة، ومن أفتى بثالثة، فقد أفتى بغير علم.

وعندما تقول: مرة، ومرتان، وثلاث مرات، فأنت في الواقع، تَعدُّ فعلة واحدة تتكرّر، ولها صفة الاستمرار، كالعمرة والحج مثلا، لتقول اعتمرت مرة، ومرتان، وثلاث، والعمرة لها شروط ومناسك خاصة بها، تميّزها عن غيرها كالحج مثلا، ولا يصحّ أن تَعدَّ أفعالا مختلفة على أنها مرّات، كأن تقول مثلا، عندما تعتمر مرة، وتحجّ مرة، اعتمرت مرتين أو حججت مرتين. ولا يصحّ أن تُسمّي فعلة غير مكتملة الشروط والمواصفات، على أنها مرة، كعمرة بلا طواف أو سعي.

وخلاصة القول: أنّ المرتين تكرار لفعلة واحدة، تمتلك نفس الشروط والمواصفات، وبما أن إفساد بني إسرائيل في الأرض، بدأ منذ نشأتهم، قبل حوالي (3) آلاف سنة، واستمر لغاية هذه اللحظة، كان من الضروري لنا، أن نستنبط من هذه الآيات شروطا ومواصفات، تجعل من السهولة بما كان، تحديد المرتين وبدقة متناهية، وتحديد موقعهما من حيث الزمان والمكان، وأول شرط من الشروط هو الإفساد المقترن بالعلو، والشرط الثاني أن يكون في الأرض المقدّسة دون غيرها.

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا(5)

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا:

جاء أي مجيء الوقت المعين أو الموعد المحدّد، والوعد أي الموعودين به من العقاب والهلاك، والمعنى إجمالا هو مجيء زمن الاستحقاق، لنفاذ الوعد بالعقاب والهلاك، ومجيء الوعد متعلّق بتحقق الشروط الثلاثة في الآية السابقة، ويتوضّح هذا المعنى، في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59 الكهف) ، أي ربط الهلاك بموعد معين، لا يتأخر ولا يتقدّم، كما في قوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(34 الأعراف) . وسرعة مجيء موعد الهلاك وإبطاءه، تعتمد على درجة الظلم، وتجد ذلك في قوله تعالى (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ...(59 الكهف) ، وقوله ( ... وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ(59 القصص) ، والظلم المقصود هنا هو الظلم الأممي، مع توافر الإصرار. إذ كلما زادت درجة الظلم، وزادت وتيرة اقترافه، كلما أسرع إلى الأمم قدرها المحتوم، لتمضي فيها سنن الله، التي لا تتحول ولا تتبدل.

بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ:

قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ(2 الجمعة) ، وقال (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(56 البقرة) ، وقال (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ(31 المائدة) ، (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا(5 الإسراء) ، ومن خلال التدبر في الآيات السابقة، نجد أن المبعوث من قبله سبحانه، ليس له القدرة على بعث نفسه، وذلك على حالين:

الأولى: هي وجود الإرادة الإلهية وانعدام الإرادة البشرية، فالرسل عليهم السلام بتلقي الرسالة عن طريق الوحي، ينتقلون من حال الغفلة والسكون إلى حال الهداية والدعوة، والموتى ينتقلون بنفخ الروح فيهم من حال الموت إلى حال الحياة. وفي هذه الحالة يكون التدخل الإلهي ظاهرا، بإحداث البعث عن طريق إرسال الروح والوحي، سواء كانت وسيلة البعث مادية أو معنوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت