الصفحة 28 من 330

والثانية: هي وجود كلتا الإرادتين، مع تعليق الإرادة الثانية بالأولى، فالأحياء يملكون الإرادة في بعث أنفسهم، لتصريف أمورهم الدنيوية، ولكنّها إرادة معلقة بالمشيئة أو الإرادة الإلهية، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإن توافقت الإرادة البشرية للقيام بأمر ما، مع الإرادة الإلهية، وقع ذلك الأمر وإن لم تتوافق لم يقع، قال تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(30 الإنسان) . وفي هذه الحالة يكون التدخل الإلهي غير ظاهر، حيث أنه يتم عن طريق التمكين، بإزالة المعوقات والمثبّطات وإيجاد التسهيلات والمحفّزات، سواء كانت الوسائل مادية أو معنوية.

وفي كلتا الحالين يكون البعث من عند الله، ولذلك نسب سبحانه بعث أولئك العباد إلى نفسه، لأن الله سيُمكّن لهم الأسباب والسبل عند خروجهم، لتحقيق وعده في بني إسرائيل. وأما هؤلاء العباد فسيخرجون من تلقاء أنفسهم، ورغبة منهم في ذلك، بدفع من أسبابهم الخاصة.

ونجد ذلك في قوله تعالى (وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ، وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ(46 التوبة)

أي لو أرادوا الخروج، لأعدّوا عدة الخروج، ولكنهم لم يُعدّوا العدّة، لأن رغبة الخروج لديهم معدومة أصلا. وبما أن إرادتهم معدومة، كره الله انبعاثهم، فثبّطهم كي لا يخرجوا مكرهين حياءً أو رياءً، خشية تأثيرهم السلبي على الخارجين. وفي المقابل، فإنّ من وُجد لديه الإرادة والرغبة في الخروج، كان الأولى بإزالة المُثبّطات، وإحاطته بالمُحفّزات لتمكينه من الانبعاث والخروج.

ـ مفهوم البعث: هو انتقال، أو انقلاب، أو تحول، أو تغير من حالة إلى أخرى، نتيجة مُسبِّب خارجي، مادي أو معنوي.

وخلاصة القول: أنّ عملية البعث هنا، معلّقة بالمشيئة الإلهية، وموعد البعث منوط بهذه المشيئة، وأن هؤلاء المبعوثين ولو تولدت فيهم الإرادة، ومهما حاولوا الانقضاض، مرارا وتكرارا على بني إسرائيل، للقضاء عليهم وإفنائهم، فلن يتمكنوا من ذلك، حتى مجيء ذلك الموعد.

عِبَادًا لَنَا:

معظم الناس هذه الأيام، يعتقدون اعتقادا جازما لا شك فيه، بأن هؤلاء العباد المُشار إليهم، في هذه العبارة، هم عباد مؤمنين، بل من أولياء الله المخلصين. ولبيان خطأ هذا المعتقد، سنناقش هذا الأمر من عدة وجوه، وبما أن هذه العبارة، أحد أهم مرتكزات الفهم الخاطئ، للنبوءة التي جاءت بها آيات سورة الإسراء، سنتاولها بالشرح والتفصيل، بما يتناسب مع حجم المساحة، التي احتلتها في أذهان الناس:

أولا: رأي المفسرين القدماء

هذه العبارة، لم يكن فهم معناها ومغزاها، مشكلة للمفسرين القدماء، وهم الأكثر قربا وفهما، لألفاظ العربية وتركيباتها اللغوية، ولو طالعت تفسيراتهم للعبارة، وآرائهم في أصحاب البعث الأول والثاني، التي أجملناها في الفصل السابق، لوجدت أنّهم بلا استثناء، لم يعيروها أدنى انتباه، وبما أنّ أنّهم، جزموا بأنّ تحقق الوعدين، قد تمّ قبل الإسلام، فهم على الأقل، لم يثبتوا لهم صفة الإيمان، حيث أن بني إسرائيل آنذاك، كانوا من أهل الكتاب، وكل من حولهم كانوا من عبدة الأوثان. بل على العكس من ذلك، نجد أنهم بلا استثناء، كانوا قد أثبتوا لهم صفة الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت