الصفحة 29 من 330

ثانيا: كلمة عباد نكرة، وإضافتها للجار والمجرور، لم توضح ماهية المعتقد

وردت هذه عبارة (عبادا لنا) في القرآن مرة واحدة فقط، ولو أمعنّا النظر في تركيبتها، لوجدنا أنّه سبحانه نكّر هؤلاء العباد، ولم ينسبهم إلى نفسه حتى بضمير متصل، كأن يقول عبادنا، وأضافها إلى الجارّ والمجرور (لنا) ، لنفهم أنّ تنكيرهم، كان غاية بحدّ ذاته، والإضافة للجارّ والمجرور، جاءت هنا لتفيد ملكية الله لهم فقط، وليس لها علاقة ببيان ماهية المعتقد. وذلك ليعلم بني إسرائيل، أن هذا البعث من عند الله، وبتمكين منه سبحانه، فكل ما يجري على الأرض بخيره وشرّه، لا يكون إلا بمشيئة الله جل وعلا وتقدير منه.

ثالثا: الفرق بين العبودية والعبادة

لنعلم أن أصل العبودية الخضوع والذل، كرها أكثر منها طواعية، وأصل العبادة الطاعة والولاء، طواعية ورغبة لا كراهية فيها.

وتجب العبودية على الخلق بالربوبية أو بالمُلكية، بدافع من الخلق والإيجاد، الموجب لحقّ الملكية، للخالق على المخلوق، واقرأ سورة الملك إن شئت فهبي تفصل الأمر، ونجدها في قوله تعالى (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ(164 الأنعام) أي صاحب كل شيء، وقوله (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا(17 المائدة) أي مالك للسموات والأرض، وقوله (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ(102 الأنعام) مما يعقل ولا يعقل، والخلق هو الدافع للربوبية والملكية، ولذلك قال جل شأنه (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93 مريم) من الملائكة حتى الذرّة من التراب، رغما عن أنوفهم لا خيار لهم، بدافع ما سبق من خلقه إياهم، قال تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11 فُصّلت) ، طوعا من قبيل العبادة، ولو لم تأتيا طوعا، لكان ذلك كرها من قبيل العبودية، حيث قال تعالى (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44 الإسراء)

ويندرج تحت العبودية بالربوبية، عبودية الرقّ بدافع الشراء أو ما شابه، التي توجب الملكية وحق التصرف بكل شؤون العبد، ومن هنا جاءت تسمية الرقيق بالعبد، كما في قوله تعالى (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50 يوسف) والملك هو ملك مصر، وهو ربّ الرسول أي صاحبه وسيّده، والرسول هو نفس الفتى الذي، قال: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) ، وربوبية المَلِك لهذا الفتى جاءت بدافع الملكية.

ونجده سبحانه، يدعو إلى الإقرار بالربوبية والخلق ووحدانية الألوهية أولا، ومن ثم يأمر بالخضوع له، وإفراده سبحانه بالعبادة والاتكال عليه، في قوله (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَاعْبُدُوهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102 الأنعام) . فلا تستقيم العبادة إلا بإقرار أما العبادة بالتأليه، بمعنى اتخاذ آلهة، فنجدها في قوله تعالى (هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً(15 الكهف) ، أو إلها دون سواه، وكما في قوله (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(108 الأنبياء) ، ومن ثم تقديم فروض الطاعة والتقديس والولاء، كما في قوله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56 الذاريات) ، وقوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا، لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31 التوبة) ، فهي تشمل جميع الخلق أيضًا، وكل الناس على وجه البسطة في الحقيقة، لهم آلهة يعبدونها، سواء كانوا من أهل الكتب السماوية أو وثنيون أو ملحدون، فكلّهم يمارسون العبادة. أما المؤمنون بالله فهم من نُسبت عبادتهم لله، وليس من نُسبوا بذواتهم فقط. قال تعالى (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ(138 البقرة)

الربوبية لله أولا، ولا يستقيم الحال بإقرار الربوبية لله وحدها دون القيام بالعبادة. وهذا ما كان عليه كفار قريش، حيث أنهم أقرّوا بربوبية الله لهم، ولكنهم أشركوا بالعبادة، قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ(87 الزخرف) ، بينما عبادتهم للأصنام قالوا فيها ( ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ...(3 الزمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت