ومن ذلك يُسمّى من يرزح تحت العبودية كرها عبدا، فلا خيار في ألا يكون، فهو مرغم، ويُسمى من يقوم بواجبات العبادة طائعا عابدا، فالخيار في أن يكون أو لا يكون، عائد إليه، وأشدّ الكفر، هو ما أنكر العبودية والعبادة لله معا، وشتان ما بين المسمّيين.
رابعا: الإفراد والجمع
عباد وعبيد كلمتان مترادفتان، ومفردهما عبد، والعبد لغة ضد أو نقيض الُحرّ، فكلمتيّ (عباد) و (عبيد) هي صيغة الجمع من كلمة (عبد) وذلك بدلالة النص القرآني في قوله تعالى (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(65 الكهف) ، ولو قال (عابدا من عبادا) لاختلف الأمر، وتدبرّ قوله تعالى (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا(3 الإسراء) ، نجد أنه سبحانه يُخبر أن نوح عليه السلام، كان عبدا أولا، وعابدا بالشكر لله ثانيا.
أما كلمة (عابد) ، وهو القائم بالعبادة، فصيغة الجمع منها هي (عابدون) ، وذلك بدلالة قوله تعالى (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ(4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5 الكافرون)
خامسا: ترادف كلمتي عباد وعبيد في المعنى والاستخدام.
وقد أطلق سبحانه لفظ عباد على العبيد بمعنى رقيق، ونجد ذلك في قوله تعالى (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ(32 النور) ، نجد أن الضمير المتصل (كم) في كلمة (عبادكم) يعود على المؤمنين المخاطبين بالنص، ومما لا يُعقل، أو من المستحيل أن نقول بأن كلمة (عباد) جاءت لغة من العبادة، فهي لا تحمل هذا المعنى على الاطلاق، ولو بدلالة هذه الآية فقط.
وأما الترادف في الاستخدام، فقد جاء في قوله (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ(31 غافر) وقوله (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46 فصلت) وقوله (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ(48 غافر) ، نجد أن المعنى المستفاد من عباد وعبيد، هو جملة خلق الله، مؤمنهم وكافرهم على السواء.
سادسا: كلمة عباد نكرة، ولا يُعرّفها إلا ما يأتي بعدها من سياق.
تشمل العبودية، كل من في السماوات والأرض، وما بينهما من الخلائق، وتشمل العبادة، كل من يملك العقل والإرادة من خلقه، ومنهم على سبيل المثال الملائكة والإنس والجن، وهم المطالبون والمكلفون، بإفراده جل وعلا بالألوهية والعبادة، والمحاسبون عليها، فإن جاءت كلمتي عباد أو عبيد، معرّفة أو غير معرّفة بأل التعريف، أو بالإضافة، فهي تفيد جملة الخلق، كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ(48 غافر) . ولا تفيد أي معنى آخر على الإطلاق، إلّا إذا أُضيف إليها ما يفيد ذلك:
كقوله تعالى (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(81 الصافات) ليُبرز فيهم سبحانه صفة الأيمان، فهم عباده المؤمنين، وفيها حثّ على الإيمان به. أو دل السياق على غير ذلك، من نفي أو إثبات لصفة دون غيرها، لتناسب الموقف، كقوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(28 فاطر) ليُبرز فيهم صفة العلم، وحصر خشية الله بمن يتصف بالعلم، فهم عباده العلماء، وفيها حثّ على طلب العلم، وقوله (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ(17 الفرقان) دل السياق على ضلالهم، فهم عباده الضالين، وفيها تحذير من الضلال، وقوله (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ(53 الزمر) دل السياق على إسرافهم فهم، عباده المسرفين، وفيها تنفير من الإسراف، وكلّهم نسبهم الله إلى نفسه، بإضافة ضمير متصل يعود عليه سبحانه.
سابعا: التركيب اللغوي للعبارة، جيء به لتخصيص جزء من كل بصفة معينة.
ولتوضيح ذلك، لاحظ الفرق بين أن تقول (هذا بيتنا) وذاك (بيتٌ لنا) ، يفهم المستمع من العبارة الأولى؛ أنّ هذا البيت مُلك لكم وخاصتُكم وأنّكم مُقيمون فيه، وأمّا الثانية؛ فيفهم منها المستمع أنّ ذلك البيت، مُلك لكم، وأنّكم غير مقيمين فيه، وربما يكون فارغا