2.قاموا باتباع ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وحقيقة ما اتبعوه يُبيّنه سبحانه، بالجملة المعترضة (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) أي الكفريّات التي ما زالت تتلوها الشياطين على ملك سليمان، ومجيء الفعل (تتلوا) بصيغة المضارع، يُفيد بأنهم على اتّصال دائم بالشياطين، وأن الشياطين ما زالت تتحدّث إليهم، بكفريّات تنسبها إلى سليمان عليه السلام، يُبرأه سبحانه منها بقوله (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) ، وعوضا عن تعليم الناس تعاليم التوراة:
3.كانوا وما زالوا، يُعلمون الناس السحر، ويعلّمونهم أيضا نوعا آخرا من السحر، كانوا قد تعلّموه أثناء تواجدهم في بابل، هو ما أُنزل على الملكين هاروت وماروت، اللذان لم يُعلّما أحدا من الناس، إلا وقالا له، (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ، فَلَا تَكْفُرْ) وحقيقة ما كان يتعلّمه الناس من الملكين في بابل، يُبيّنه سبحانه بالجملة المعترضة (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) . ويُعقّب سبحانه على ما قامت به تلك الفئة بقوله (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ ... إلى آخر الآية) . وهذا ما يقومون به لغاية الآن، في محافلهم الماسونية ومدارسهم الدينية، حيث يُمارسون ويُعلّمون منتسبيهم وتلاميذهم، طقوس عبادة الشياطين، وفنون السحر والشعوذة.
عقوبتهم في الجزيرة العربية كانت جلاءً وليس عذابا:
وأما عند مجيء الإسلام، كان جزء منهم متواجد في الجزيرة العربية، وأخرجوا منها زمن عمر رضي الله عنه، قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ(2 الحشر) ، والحشر معناه الجمع، والجمع يختلف عن الجميع، وقوله (لأول الحشر) أي بداية الجمع، والجمع يكون عادة بعد التشرّد والشتات، والمقصود هنا الجمع في الدنيا، وليس الحشر بعد الموت والبعث، حيث كانت وجهتهم عند الخروج إلى بلاد الشام، وأما الجلاء الذي حكم الله به عليهم، في زمن الرسول عليه السلام وصحبه الكرام، لم يكن عذابا كالموصوف في سورة الإسراء، لا في الوعد الأول، ولا في الوعد الثاني، فكيفية العقاب في المرتين متطابقة، كما أوضحنا سابقا، وهذا ما يقرره سبحانه في الآية التالية (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ(3 الحشر) ، وقوله تعالى (لعذّبهم) ، يفيد بأن الجلاء لم يُعتبر عذابا بمعنى الكلمة، أما قتل وسبي يهود بني قريظة، فهو استثناء حصل لخطورة ما قاموا به من خيانة، في أحرج لحظة، في تاريخ الأمة الإسلامية.
وإن لم يكن ما تقدّم مقنعا بما فيه الكفاية، فانظر إلى قوله تعالى (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا(7 الإسراء) ، فأي مسجد الذي دخله المسلمون على اليهود آنذاك، وما هو المسجد المقصود أصلا في هذه الآية؟! وما صفة العلو الذي كان لهم آنذاك؟!، وأما فسادهم وإفسادهم في الجزيرة وغيرها من الأماكن، فهو مشمول في الآية الكريمة (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64 المائدة) ، ولاحظ قوله تعالى (ويسعون) ، حيث تفيد الاستمرارية والمثابرة، على الإفساد في الأرض على عمومها، وهذا هو ديدنهم على مر العصور، لذلك كانوا عرضة للقتل والتنكيل، أو النهب والسلب، أو الطرد والنفي، أينما حلوا وأينما ارتحلوا، فطافوا معظم أرجاء من المعمورة وتواجدوا في كل قاراتها، منذ 3 آلاف سنة واستمر حالهم هذا على مر العصور، وهذا ما لم يقع في أي شعب من شعوب الأرض، وكان الاستثناء الوحيد، هو حصولهم على الدولة في القدس مرتين فقط. وبعد شتاتهم في المرة الأولى، لم يكن لهم علو، ولم يكن لهم جمع من الشتات، الذي هو أحد شروط ومواصفات تحقق الوعد الثاني، إلا ما نُشاهده الآن على أرض الواقع، من علوا ظاهر مقترن بالفساد والإفساد، في الأرض المُقدّسة فلسطين.