الصفحة 77 من 330

حصر الفترة الزمنية للإفساد المُذكور في القرآن:

والآن لننتقل إلى الكريمة التي تقول (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ،(( وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) )، وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ، وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ، بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ، اسْتَكْبَرْتُمْ، فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87 البقرة) ، قلنا أن قمة الإفساد هي قتل الأنفس بغير حق، وأعظمها قتل الرسل والأنبياء، ولاحظ قوله سبحانه (تقتلون) حيث تفيد صيغة المضارع، الاستمرارية والكثرة في القتل، وقد ذُكر قتلهم للرسل والأنبياء (7) مرات، في مواضع متفرقة من القرآن، وقد حُصر وقوع هذا القتل منهم في هذه الآية، بين موسى وعيسى عليهما السلام، وإذا علمنا أن بني إسرائيل، كانوا بحاجة إلى الأنبياء (حبل الله) لدخول الأرض المقدسة، لإقامة دولتهم فيها، ولم يكن فيهم أنبياء في سنوات التحريم، غير ذلك النبي الذي بُعث عند انقضائها، والذي توجهوا إليه لطلب المساعدة والنصرة من الله، لتبين لنا أن قتل الأنبياء قد تحصّل منهم، بعد وفاة سليمان عليه السلام، حيث لم تعد بهم حاجة للأنبياء، ليذكّروهم بشرع الله والالتزام به، بعد أن أمسى لهم الملك والعلو في الأرض، فأهواء ورغبات وأطماع، الذين (أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) ، والذين (قست قلوبهم فهي كالحجارة أو شد قسوة) ، لا تتفق وشرع الله.

نهاية المملكة وخروجهم من فلسطين:

ولو نظرنا في قوله تعالى (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا) ، أي فرقّناهم، نجد أنه سبحانه أثبت خروجهم ونفيهم من الأرض المقدسة، وشتاتهم في الأرض على عمومها، على الأقل قبل بعث محمد عليه الصلاة والسلام بالقرآن، فهل يُعقل أن أمة بأسرها، تقوم بالتخلي عن مُلكها وترك أرضها من تلقاء نفسها ورغبة عنها؟!!! أم أن هناك أمر عظيم نزل بها، فتركت أرضها قسرا وقهرا، بعد أن أُزيل ملكها وأفل نجمها؟!!! وقد ورد ذكر هذا الحدث في القرآن بصيغة الماضي، بقوله تعالى (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ - وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا(5 الإسراء) . وبما أن تلك العبارة أثبتت شتاتهم بعد أن كانوا أمة واحدة، والعبارة (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا(104الإسراء) ، تشترط مجيئهم من الشتات والتجمّع في فلسطين، ولم يرد نص في القرآن، يُثبت مجيئهم وتجمّعهم من الشتات قبل الإسلام، لإقامة علوهم الثاني. نستطيع الجزم بأن وعد الأولى، بقيام المملكة الأولى وزوالها، قد تحقق، وأن المرة الثانية قد تحقّقت بمجيئهم وتجمّعهم من الشتات، لإقامة دولتهم الحالية.

إثبات تواجد اليهود في بابل:

قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ،(1) نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) (2) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ـ (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) ـ (3) يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (بِبَابِلَ) هَارُوتَ وَمَارُوتَ ـ (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ، حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ، فَلَا تَكْفُرْ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ـ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ، مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102 البقرة)

موضوع الحديث ما قبل هاتين الآيتين، وما بعدهما، هم اليهود إجمالا. بينما تتعرض الآيتان أعلاه، لموقف فئة من اليهود المعاصرين لرسالة الإسلام، من بعث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، حيث قام هؤلاء وما زالوا يقومون بثلاثة أفعال:

1.عند مجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام، بصفة مطابقة لما كان بين يديهم من التوراة، ومجيئه بما يتفق مع ما جاء به أنبياؤهم، أزاحوا التوراة من عقولهم وقلوبهم وأنكروا ما فيها، وكتموا ما أخبرت عنه وجاءت به عن الناس، وأظهروا عدم معرفتهم وعلمهم بأمر هذا النبي، وعوضا عن اتباعهم لهذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما تأمرهم التوراة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت