، فخانوا ميثاق ربهم ونقضوا عهده، استكبارا وعلوا في الأرض بغير الحق. حيث كان ذلك حكم الله الذي أنجزه في أسلافهم، على أيدي أولئك العباد، فيما يُسمى بالسبي البابلي الموصوف بالتوراة بإسهاب، والذي يؤكد نفاذ هذا الحكم فيهم، كما جاء في الآية الكريمة أعلاه. لذلك عقّب سبحانه بعد ذكر الوعد الأول، بقوله (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا(5 الإسراء) .
بعض الأحكام التي صدرت في حقهم فيما سبق نزول القرآن:
قال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169 الأعراف) .
وقال أيضا (وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64 المائدة) .
وهذه الأحكام هي:
1.استضعافهم واضطهادهم وتعذيبهم من قبل الآخرين، أينما حلوا وأينما ارتحلوا إلى يوم القيامة. وهذا حكم عامّ، وأما عقابهم عند مجيء الوعدين، فهو حكم خاص مستثنى من هذا الحكم.
2.نفيهم من فلسطين وشتاتهم في كافة أرجاء الأرض. مما يؤكد زوال مملكتهم الأولى، ويهيئ لقيام الدولة الثانية مستقبلا.
3.إلقاء العداوة والبغضاء فيما بينهم إلى يوم القيامة. وإطفاء الحروب التي يُشعلوها، وإفشال مخططاتهم الساعية إلى الإفساد.
وهل دخلوا الأرض المقدّسة؟
لو عدنا إلى زمن موسى عليه السلام، بعد أن وصل وقومه إلى مشارف الأرض والمقدسة، حيث قال لقومه (يَقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(21 المائدة) ، والأرض المقدسة هي فلسطين، ولم تقدّس في القرآن أرض غيرها. وقد وردت هذه العبارة في القرآن مرة واحدة فقط، وكان بنو إسرائيل آنذاك أمة واحدة، فامتنعوا عن الدخول إليها، فحُرموا من دخولها أربعين سنة، ولم يكن التيه بضياعهم وتشرذمهم في الأرض، كما قد يتوهم البعض، وإنما بحرمانهم من الهداية والقيادة برفع النبوة والوحي، وهذا يؤكد أن موسى عليه السلام، انتقل إلى جوار ربه قبل أو بداية سنوات التحريم، ولذلك تجلّت الحكمة الإلهية، باختيار النقباء الإثني عشر وأخذ الميثاق منهم مسبقا، لعلمه المسبق بما سيكون منهم. وتُرك أمر بني إسرائيل لأولئك النقباء، كلٌ حسب السبط الذي ينتمي إليه، لقيادتهم والفصل بينهم في الأحوال المدنية والشرعية.
وفي نهاية الأربعين سنة، وصل الله ما كان قد قطعه، فبعث فيهم نبيا، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(246 البقرة) ، وكلمة (الملأ) تعني علية القوم، وطلب القتال كان لدخول الأرض المقدسة، التي كان قد كُتب لهم دخولها، على لسان موسى في الآية السابقة، وعندما أذن الله لهم بدخولها، بعد قتال جالوت وجنوده والانتصار عليهم، بقتل داود عليه السلام لجالوت، دخلوها مجتمعين كأمة أيضا، فأقام لهم داود وسليمان عليهما، دولتهم الأولى وعلوهم الأول.