للشك مدّة طويلة، في بعض الجماعات المسيحية. إن آراء المُفسّرين في عصرنا مُتشعبة كثيرا، ففيهم من يؤكد أن الاختلاف في الإنشاء والبيئة والتفكير اللاهوتي، يجعل نسبة سفر الرؤيا والإنجيل الرابع، إلى كاتب واحد أمرا عسيرا. وهناك مُفسّرون يرون أن ظروف إنشاء سفر الرؤيا، أشدّ تشعبا من ذلك بكثير، فهو ليس مُؤلَّفا مُتجانسا، بل محاولة غير مُحكمة لجمع أجزاء مُختلفة، أُنشئت، ثم نُقّحت في العقود الأخيرة من القرن الأول"."
وللحق نستطيع الجزم، بأن التوراة تم تنقيحها وجمعها بشكل نهائي، في هذه الحقبة من الزمن، بعد وفاة عيسى ويحيى عليهما السلام.
نجد من خلال ما تقدّم أن النصارى أنفسهم، كان لديهم الكثير من الشكوك حول سفر الرؤيا، وبعد قراءتي لمحتوى هذا السفر تبين لي، أن أسلوب إنشاءه هو نفس الأسلوب، الذي أُنشئت به أسفار التوراة، من حيث الألفاظ والعبارات، وحتى تكرار الأفكار والنصوص وتحويرها وتحريفها، وتبديل مواضعها من تقديم وتأخير، لتشويه الرؤى النبوية التي تأتي عادة في غير صالح اليهود. والسفر يحتوي على نبوءات مُشابه، لما جاء في الأسفار المُتأخرة من التوراة. حيث أن سفر زكريا في التوراة، ينتهي عند ذكر الدجال، ويُغفل ما سيأتي بعده من أحداث. وتجد أن سفر الرؤيا يُعيد بعض ما جاء في الأسفار المُتأخرة من التوراة ومن ضمنها سفر زكريا، ويكمل الأحداث حتى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار.
وما تقدّم يدفعني إلى الاعتقاد، أن كتبة هذين السفرين، هم كهنة اليهود الذين ألفوا التوراة، إذ أن آثار أقلامهم واضحة للعيان، مما فيه من تناقض أحيانا وتكرار أحيانا أخرى، لمحاولتهم فهم هذه النبوءات وتفسيرها، حسبما يتناسب مع زمانهم، أي مع بداية التقويم الميلادي، حيث كانت مقومات ذلك العصر ورموزه، تختلف كليا عمّا لدينا في العصر الحالي، حيث بدأت هذه النبوءات هذه الأيام، تأخذ مكانها على أرض الواقع.
ويبدو أن المُتأخرين من الكهنة اليهود، كانوا عاقدي العزم، على ضمّ سفر الرؤيا والإنجيل المنسوب إلى يوحنّا إلى التوراة، فأعملوا أقلامهم فيهما، ويبدوا أنهم تراجعوا عن ذلك في اللحظة الأخيرة، فقرّروا إسقاطهما، بعد أن تنكرّوا لنبوة يحيى وعيسى عليهما السلام. فسفر الرؤيا كما الحال بالنسبة لإنجيل يوحنا، يُهاجم اليهود أنفسهم، ويهاجم مجّمعات كهنتهم (المُسمّاة بالسنهدرين) التي كانوا يتدارسون فيها التوراة (والحقيقة أنهم كانوا يدرسون التوراة كما ندرس الزيتون) ، والتي وصفها هذا السفر بمُجمعات الشيطان. حيث جاء فيه"رؤيا 2: 9: وأعلم افتراء الذين يقولون أنهم يهود وليسوا بيهود، بل هم مَجمَع للشياطين". رؤيا 3: 9: ها إني أعطيك أُناسا من مَجمَع للشيطان، يقولون أنهم يهود، وما هم إلا كذّابون"، وهاتين العبارتين مثال على التكرار لنفس المعنى وبنفس الألفاظ تقريبا."
بالإضافة إلى ذلك جاء سفر الرؤيا، بنبوءات تُخالف أهواء الكهنة، وتتناقض مع ما كان قد خطّه الكهنة المُتقدّمين. ومنها أنّه يُثبت البعث والحساب والجزاء، وهذا مما يُنكره اليهود ويجحدونه. فالتوراة على امتدادها الشاسع، لا تجد فيها حتى كلمة، توضّح مصير الروح بعد الموت. وما يملكونه من معتقدات، فيا يتعلق بالروح والبعث والجزاء، تعتمد في الدرجة الأولى على أقوال متناقضة ومرتبكة لحكمائهم، وهذه الأقوال مثبتة في التلمود، وهي أقرب ما تكون إلى معتقدات الوثنيين، كتناسخ الأرواح والحلولية.
وربما تكون نسبة هذا السفر إلى (يوحنّا) ، وهو يحيى بن زكريا عليهما السلام صحيحه، حيث أن يحيى كان قد سبق عيسى عليه السلام في البعث لليهود، وحال سفر الرؤيا يشبه حال الأسفار المتأخرة من التوراة، التي امتازت بالطابع الدعوي النبوي في معظمها. وبعد أن أسقط اليهود الإنجيل وسفر الرؤيا، المنسوبين إلى يوحنا من التوراة، تلقّفته كهنة النصارى، ومن ثم قاموا بتحريفه بالحذف والإضافة والتبديل، لإثبات أُلوهية عيسى عليه السلام، وأضافوه إلى كتابهم المُقدّس، على ما هو عليه من ازدواجية وتكرار، في الألفاظ والأفكار.