بِخِلَافِ صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ فَإِنّ الْحُفّاظَ تَدَاوَلُوهُمَا وَاعْتَنَوْا بِضَبْطِهِمَا وَتَصْحِيحِهِمَا قَالَ وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ أَغْلَاطٌ وَتَصْحِيفٌ.
قُلْت: وَيَدُلّ عَلَى صِحّةِ هَذَا أَنّ الّذِينَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِ سُنَنِ الصّلَاةِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَصَنّفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْأَحْكَامِ وَالسّنَنِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنّةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا وَإِنّمَا ذَكَرُوهُ فِي اسْتِحْبَابِ فِعْلِ تَحِيّةِ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ،وَاحْتَجّوا بِهِ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ فَلَوْ كَانَتْ هِيَ سُنّةَ الْجُمُعَةِ لَكَانَ ذِكْرُهَا هُنَاكَ وَالتّرْجَمَةُ عَلَيْهَا وَحِفْظُهَا وَشُهْرَتُهَا أَوْلَى مِنْ تَحِيّةِ الْمَسْجِدِ.
وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَأْمُرْ بِهَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ إلّا الدّاخِلَ لِأَجَلِ أَنّهَا تَحِيّةُ الْمَسْجِدِ.وَلَوْ كَانَتْ سُنّةَ الْجُمُعَةِ لَأَمَرَ بِهَا الْقَاعِدِينَ أَيْضًا وَلَمْ يَخُصّ بِهَا الدّاخِلَ وَحْدَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي"سُنَنِهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلاَةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَيُصَلِّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [1] ."
وَهَذَا لَا حُجّةَ فِيهِ عَلَى أَنّ لِلْجُمُعَةِ سُنّةٌ قَبْلَهَا وَإِنّمَا أَرَادَ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَنّهُ كَانَ يُصَلّي الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ لَا يُصَلّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِيهِمَا كَمَا ثَبَتَ فِي"الصّحِيحَيْن ِ"عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ [2] .
وَفِي"السّنَنِ"عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ إذَا كَانَ بِمَكّة َ فَصَلّى الْجُمُعَةَ تَقَدّمَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمّ تَقَدّمَ فَصَلّى أَرْبَعًا وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلّى الْجُمُعَةَ ثُمّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلّ بِالْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُ ذَلِكَ [3] .
وَأَمّا إطَالَةُ ابْنِ عُمَرَ الصّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَإِنّهُ تَطَوّعٌ مُطْلَقٌ وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى لِمَنْ جَاءَ إلَى الْجُمُعَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالصّلَاةِ حَتّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ كَمَا تَقَدّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ونُبيشة الْهُذَلِيّ عَنْ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ
(1) - سنن أبي داود - المكنز - (1130 ) صحيح
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (2078 )
(3) - سنن أبي داود - المكنز - ( 1132 ) صحيح