فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 129

فَمَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ،اسْتَدَل بِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُقِمْ أَيَّ جُمُعَةٍ فِي مَكَّةَ قَبْل الْهِجْرَةِ،وَمَنْ قَال: إِنَّهَا فُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْل الْهِجْرَةِ اسْتَدَل بِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ صَلَّوْهَا فِي الْمَدِينَةِ قَبْل هِجْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً إِذْ ذَاكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ سَوَاءٌ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي مَكَّةَ وَفِي الْمَدِينَةِ،إِلاَّ أَنَّ الَّذِي مَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا فِي مَكَّةَ عَدَمُ تَوَافُرِ كَثِيرٍ مِنْ شَرَائِطِهَا.قَال الْبَكْرِيُّ: فُرِضَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ تُقَمْ بِهَا؛لِفَقْدِ الْعَدَدِ،أَوْ لأَِنَّ شِعَارَهَا الإِْظْهَارُ،وَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَخْفِيًا فِيهَا.وَأَوَّل مَنْ أَقَامَهَا بِالْمَدِينَةِ قَبْل الْهِجْرَةِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بِقَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ [1] .

الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهَا:

قَال الدَّهْلَوِيُّ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ إِشَاعَةُ الصَّلاَةِ فِي الْبَلَدِ بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ لَهَا أَهْلُهَا مُتَعَذِّرَةً كُل يَوْمٍ،وَجَبَ أَنْ يُعَيَّنَ لَهَا مِيقَاتٌ لاَ يَتَكَرَّرُ دَوَرَانُهُ بِسُرْعَةٍ حَتَّى لاَ تَعْسُرَ عَلَيْهِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الاِجْتِمَاعِ لَهَا،وَلاَ يَبْطُؤ دَوَرَانُهُ بِأَنْ يَطُول الزَّمَنُ الْفَاصِل بَيْنَ الْمَرَّةِ وَالأُْخْرَى،كَيْ لاَ يَفُوتَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ تَلاَقِي الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعُهُمْ بَيْنَ الْحِينِ وَالآْخَرِ.وَلَمَّا كَانَ الأُْسْبُوعُ قَدْرًا زَمَنِيًّا مُسْتَعْمَلًا لَدَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَأَكْثَرِ الْمِلَل،وَهُوَ قَدْرٌ مُتَوَسِّطُ الدَّوَرَانِ وَالتَّكْرَارِ بَيْنَ السُّرْعَةِ وَالْبُطْءِ - وَجَبَ جَعْل الأُْسْبُوعِ مِيقَاتًا لِهَذَا الْوَاجِبِ [2] .

فَرْضِيَّتُهَا:

دَلِيل الْفَرْضِيَّةِ: صَلاَةُ الْجُمُعَةِ مِنَ الْفَرَائِضِ الْمَعْلُومِ فَرْضِيَّتُهَا بِالضَّرُورَةِ،وَبِدَلاَلَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛فَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا.قَال الْكَاسَانِيُّ:"الْجُمُعَةُ فَرْضٌ لاَ يَسَعُ تَرْكُهَا،وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَالدَّلِيل عَلَى فَرْضِيَّتِهَا: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُْمَّةِ:"

أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (9) سورة الجمعة،قِيل:"ذِكْرُ اللَّهِ"هُوَ صَلاَةُ الْجُمُعَةِ،وَقِيل: هُوَ الْخُطْبَةُ،وَكُل ذَلِكَ حُجَّةٌ؛لأَِنَّ السَّعْيَ إِلَى الْخُطْبَةِ إِنَّمَا يَجِبُ لأَِجْل الصَّلاَةِ،بِدَلِيل أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاَةُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَى

(1) - فتح المعين للسيد البكري 2 / 52 .

(2) - حجة الله البالغة للشاه ولي الله الدهلوي 2 / 21 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت