قَال فِي الْمَبْسُوطِ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي بَيَانِ حَدِّ الْمِصْرِ الْجَامِعِ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ سُلْطَانٌ،أَوْ قَاضٍ لإِِقَامَةِ الْحُدُودِ وَتَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ [1] .
وَيَلْحَقُ بِالْمِصْرِ ضَاحِيَتُهُ أَوْ فِنَاؤُهُ،وَضَوَاحِي الْمِصْرِ هِيَ الْقُرَى الْمُنْتَشِرَةُ مِنْ حَوْلِهِ وَالْمُتَّصِلَةُ بِهِ وَالْمَعْدُودَةُ مِنْ مَصَالِحِهِ،بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنَ الْقُرْبِ مَا يُمَكِّنُ أَهْلَهَا مِنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ،ثُمَّ الرُّجُوعِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ بِدُونِ تَكَلُّفٍ [2] .
وَعَلَى هَذَا،فَمَنْ كَانُوا يُقِيمُونَ فِي قَرْيَةٍ نَائِيَةٍ،لاَ يُكَلَّفُونَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ،وَإِذَا أَقَامُوهَا لَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ.قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: الْمِصْرُ الْجَامِعُ شَرْطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ،وَشَرْطُ صِحَّةِ أَدَائِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا،حَتَّى لاَ تَجِبَ الْجُمُعَةُ إِلاَّ عَلَى أَهْل الْمِصْرِ وَمَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي تَوَابِعِهِ،وَكَذَا لاَ يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ إِلاَّ فِي الْمِصْرِ وَتَوَابِعِهِ.
فَلاَ تَجِبُ عَلَى أَهْل الْقُرَى الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ تَوَابِعِ الْمِصْرِ،وَلاَ يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِيهَا [3] .
وَلَمْ تَشْتَرِطِ الْمَذَاهِبُ الأُْخْرَى هَذَا الشَّرْطَ.
فَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَاكْتَفَوْا بِاشْتِرَاطِ إِقَامَتِهَا فِي خُطَّةِ أَبْنِيَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ،قَال صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ: لاَ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إِلاَّ فِي أَبْنِيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ مِنْ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ [4] .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ أَيْضًا،وَصَحَّحُوا إِقَامَتَهَا فِي الصَّحَارِي،وَبَيْنَ مَضَارِبِ الْخِيَامِ.قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي:"وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ إِقَامَتُهَا فِي الْبُنْيَانِ وَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِيمَا قَارَبَهُ مِنَ الصَّحْرَاءِ [5] ."
(1) - المبسوط 2 / 23 .
(2) - راجع بدائع الصنائع 1 / 260 ، والمبسوط 2 / 24 ، مجمع الأنهر 1 / 162 .
(3) - بدائع الصنائع 1 / 259 .
(4) - المهذب مع المجموع 4 / 501 .
(5) - المغني لابن قدامة 2 / 275 .