فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 381

وهذا لومٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم على تقصيرهم في عزله، وعدم تأمير من ينوبُ عنه في تنفيذ المهام الموكلة إليه على وجه أفضل.

والأدلةُ كثيرةٌ التي تدلُّ على شرعية انعقاد الإمارة لغير الخليفة في حال غيابه ـ سواء كان غيابه غيابَ حضور أم غياب انعدام كما هو الحال في زماننا ـ وفيما ذكرناه من الأدلة القدر الكافي لمن يسأل عن الحجة في المسألة، ويبتغي الحق متجردًا عن هواه.

وقولنا بشرعية الجهاد في سبيل الله في حال غياب الخليفة العام للمسلمين، لا يستلزمُ منه أن يقومَ كلُّ فرد من الأمة بواجب الجهاد بطريقته الفردية، وبالأسلوب الذي يهواه .. ومن دون مراعاة للمصالح والمفاسد التي يمكن أن تترتب على تصرفاته .. فهذا تصرفٌ لا يُسلَّم به، وهو محظورٌ من أوجه:

1-منها، أنه يؤدي إلى الفرقة والتنازع، والفشل والضعف والفوضى، والله تعالى قد أمر بالجماعة والوحدة والتنظيم، وبجميع أسباب القوة، ونهى عن كل مظاهر التفرق والتنازع والضعف والضياع، كما قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا } آل عمران: 103. وقال تعالى: { وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } الأنفال:46. وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } الصف:4.

وفي الحديث فقد صح عَنْ رَجُلٍ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، ثَلاَثَ مِرَارٍ"" [1] .

وأكثر الأخطار تهديدًا لأمن وسلامة الجماعات الجهادية .. والذي يُعيق من مسيرتها نحو أهدافها .. هو عدم وجود هذا التنسيق الكافي فيما بينها، الذي يرقى إلى مستوى المعركة الضخمة التي تُحاك ضد الإسلام والمسلمين!

2-ومنها، أنه قد يؤدي إلى فتنة أشدَّ وأعظمَ من الفتنة أو المنكر المراد إزالته، لأن التصرف الفرديَّ ـ في الغالب ـ يتصف بالامسؤولية والضعف، وعدم الدراية الكافية لما

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 667) (23145) 23533- صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت