وَالْأَمْصَارِ ، وَقَالُوا: مَنْ شَذَّ شَذَّ اللَّهُ بِهِ فِي النَّارِ ، وَمَا عَرَفَ الْمُخْتَلِفُونَ أَنَّ الشَّاذَّ مَا خَالَفَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ فَهُمْ الشَّاذُّونَ .
وَقَدْ شَذَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ زَمَنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا ؛ فَكَانُوا هُمْ الْجَمَاعَةُ ، وَكَانَتْ الْقُضَاةُ حِينَئِذٍ وَالْمُفْتُونَ وَالْخَلِيفَةُ وَأَتْبَاعُهُ كُلُّهُمْ هُمْ الشَّاذُّونَ ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَحْدَهُ هُوَ الْجَمَاعَةُ ، وَلَمَّا لَمْ يَتَحَمَّلْ هَذَا عُقُولُ النَّاسِ قَالُوا لِلْخَلِيفَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكُونُ أَنْتَ وَقُضَاتُك وَوُلَاتُك وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُفْتُونَ كُلُّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَحْمَدُ وَحْدَهُ هُوَ عَلَى الْحَقِّ ؟ فَلَمْ يَتَّسِعْ عِلْمُهُ لِذَلِكَ ؛ فَأَخَذَهُ بِالسِّيَاطِ وَالْعُقُوبَةِ بَعْدَ الْحَبْسِ الطَّوِيلِ ؛ فَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ ، وَهِيَ السَّبِيلُ الْمَهْيَعُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ ، مَضَى عَلَيْهَا سَلَفُهُمْ ، وَيَنْتَظِرُهَا خَلَفُهُمْ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (23) سورة الأحزاب، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ . ا- هـ [1] .
ومنه يعلم أن الجماعة تعرف بالحق الذي هي عليه، وليس بكثرة أفرادها وأنصارها وعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِى مِنْ سُنَّتِى » [2] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"ثَلَاثًا , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ:"نَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ فِي نَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ , مَنْ يُبْغِضُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ", ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"يَأْتِي أُنَاسٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وجُوهُهُمْ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ", فَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ: نَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ:"لَا , وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ , وَلَكِنَّهُمْ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يُتَّقَى بِهِمُ الْمَكَارِهُ , يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ , يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ"" [3] ."
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (4 / 242)
(2) - سنن الترمذى- المكنز - (2839 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.قلت: هو حسن لغيره
يأرز: ينضم ويجتمع -الأروية: الشاة الواحدة من شياه الجبل والجمع أروى
(3) - الْبِدَعُ لِابْنِ وَضَّاحٍ (166 ) حسن