الصفحة 120 من 157

المطلب الرابع: موقفه من التصوف.

التصوف كلمة مجهولة الاشتقاق، ولا يعرف لها مصدر محدد حتى من أكثر الناس خبرة بهذا المذهب، كالقشيري والكلاباذي وغيرهما [1] . واحتملوا اشتقاقها من بعض المصادر المفترضة مثل أن تكون نسبة إلى صوف، أو إلى الصفا أو إلى رجل في الجاهلية اسمه صوفة أو كلمة سوفيا اليونانية أو إلى أهل الصفة [2] ، ولكن ردها كلها القشيري قائلا:"وليس يشهد لهذا الاسم - يعنى التصوف من حيث العربية قياس ولا اشتقاق". [3]

ومهما يكن فإن التصوف ظاهرة لها روافد متعددة ومصادر مختلفة إذ هي مذهب متأثر بالثقافات والديانات الأخرى. وظهر في الإسلام بدءا بالتعبد وبالزهد والتقشف ومرورا بالوحدة والانفراد والتبتل وانتهاء بالشطحات والدعاوى والشركيات.

ولقد اختلفت أنظار العلماء قديما تجاه هذا المذهب من مؤيد ورافض ومشدد ومسامح. ولعل ذلك يرجع إلى اختلاف مراتب أهل التصوف. فإن القدماء منهم كالجنيد اكتفوا في تصوفهم برياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة وحمله على الأخلاق الجميلة. وقيدوا طريقتهم بالكتاب والسنة ثم لبس الشيطان على من بعدهم وتدرج بهم حتى قسموا العلم إلى علم الشريعة وعلم الحقيقة، وجعلوا الاعتماد على النصوص الشرعية والعمل بظاهرها دين العوام. وادعى بعضهم عشق الله تعالى والهيمان فيه وقال بعضهم بالحلول وبعضهم بالاتحاد. [4]

لكن مذهب التصوف لم يزل مذهبا سلوكيا له أنظمته وفلسفته وأشياخه ومريدوه، ويختلفون في البعد والقرب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الإلتزام بالشرع والابتداع في الدين.

أما الشيخ عثمان بن فودي - رحمه الله تعالى - فاستعمل التصوف بمعناه الأصلي الذي هو تزكية النفس وتطهيرها من الرذائل والقبائح وتحليتها بجميل الأخلاق وكريم السجايا، ومحاسن الشيم.

(1) - عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية: الغزالي والتصوف. ط، دار طيبة الثانية، الرياض. 1409هـ ص 127

(2) -ابن الجوزي: جمال الدين بن فرج (ت 598 هـ) تلبس إبليس، ط دار الكتب العلمية، الرابعة، بيروت 1414هـ 1994 ص 185 - 187.

(3) - المصدر قبل السابق ص 127 نقلا عن الرسالة القشيرية ص 126

(4) - تلبس إبليس ص 189

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت