وله في التواضع، ولين الجانب وتحمل الأذى في سبيل الله أخبار عجيبة، شهد له بذلك المحبون والمناوئون. أما زهده وترفعه عن متاع الدنيا الفانية فإليه المنتهى في ذلك في العصر الحديث. فقد ذكر الذين عاشروه من بساطة حياته وعدم تكلفه في المأكل والملبس بل وحتى في الكلام، فإنه لم يكن من الذين ينمقون الكلام ويزخرفونه، بل اتصفت حياته كلها بالبساطة وعدم التكلف. وكان أشد الناس عداوة له وبغضا - هم أصحاب الطرق الصوفية - ينسبون مذاهبهم إلى العباد والزهاد من سلف الأمة وهم مع ذلك يتكالبون على الدنيا، ويتهافتون على حطامها، ويركعون لحكام السوء، ويفتون لأصحاب الأموال بما يوافق أهواءهم رغبة في ما في أيديهم، بينما هو يدعو إلى الكتاب والسنة، ويعمل بالزهد في نفسه وأهله.
وتواتر عن أصحابه أن كل ما يرسله التجار المحسنون إلى منزله من الصدقات والزكوات - ولو في أشد أيام الاحتياج - كان يأمر بتوزيعه، ويحرج على من يدخل شيئا من ذلك في بيته ويقول: الناس أحوج مني إلى هذه الصدقات. وكم أرسلت له مبالغ من الأموال فيوزعها كلها بين المحتاجين من تلاميذه، وهو أمس حاجة إليها من كثير منهم أو يوصي بها إلى جماعة نصر الإسلام. [1]
ولما أخذ جائزة الملك فيصل، كان أكبر الصعوبات التي واجهته هي ماذا يعمل بهذا المال؟! إنها هدية لم ير مثلها قط في حياته، ولم يمتلك لنفسه مبلغا كهذا المبلغ الكبير، [2] ولولا أنه اعتبرها هدية لما قبلها أصلا، فإنه ليس من الأصناف الثمانية الذين توزع لهم الصدقات، كما كان يقول. وجاءت هذه الجائزة وهو مثقل بالديون، ومنها القرض الذي ابتنى منه بيتا لنفسه وأهله، فأشار له اثنان من تلاميذه [3] بأن يسدد هذه الديون، ويوزع الباقي بين أولاده الذين كان يحرمهم من الصدقات التي ترسل يوميا إلى بيته. فسلم لهم هذا المال ولم يدر ما فعلوا بعد ذلك. [4] ولما تزوج صديقه الخضر
(1) - سيأتي من ذلك بعض الأخبار التي تبرهن ما أقول. أنظر الصفحة القادمة.
(2) - هو 350,000 ريال سعودي. ويعادل 93,000 دولار أمريكي (3,5 م نيرا يومئذ) . وانظر Where I stand ص 198 - 199.
(3) - هما الحاج إبراهيم كانو وأحمد محمد سنوسي جومبي.
(4) - ذكر ذلك كله في كتابه السابق ص 198 - 199