الصفحة 58 من 157

ثانيا: سلامة المنهج.

إن المنهج التقليدي المعهود في هذه البلاد الذي هو منهج التلقين والترجمة لم يعد كفيلا بإعطاء العلم الصحيح للأجيال الناشئة. ذلك أنه يجرد العلوم عن مقاصدها، ويرجح كفة على أخرى من دون مرجح. فعلم اللغة مثلا الذي هو من الوسائل قد أخذ من هذا المنهج أكثر مما يستحقه بحيث يقضي الإنسان حياته كلها بين شروح الألفية ومقامات الحريري والمعلقات الجاهلية. فبينما الإنسان معدود من كبار أهل العلم يجهل كل الجهل أبسط ما يتعلق بالتفسير والحديث.

فدعوة الشيخ أبي بكر جومي اتجهت إلى تصحيح هذا المنهج بحيث عاد الناس يأخذون من منابع العلوم وينوعون في أخذ الفنون على ما تقتضيه الموازنات العلمية. ولا شك أن الشيخ قد سعى إلى توعية الناس لربط العلم بالدليل ومطالبة العلماء والمفتين أن يقيموا الحجة في كل ما يفتون به مما يتعلق بالأحكام الشرعية.

وقد قال الأصمعي: حضرت ابن عيينة وأتاه أعرابي فقال: كيف أصبح الشيخ يرحمه الله؟ فقال سفيان: بخير نحمد الله.

قال: ما تقول في امرأة من الحاج حاضت قبل أن تطوف بالبيت؟

فقال: تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت.

فقال: هل من قدوة؟

قال: نعم. عائشة حاضت قبل أن تطوف بالبيت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفعل ما يفعل الحاج غير الطواف.

قال: هل من بلاغ؟ قال: نعم، حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك.

قال الأعرابي: لقد استسمنت القدوة، وأحسنت البلاغ، والله لك بالرشاد. [1]

فمثل هذا النفس من الأعرابي هو الذي شجع عليه الشيخ أبو بكر جومي بحيث صار العلماء يتحرون في إصدار الفتاوى وإلقاء الأحكام لأن هناك وعيا عاما بين الشباب يسألون عن الدليل في كل شيء ولا يقبلون من أحد كلاما لا يقيم عليه الدليل من النصوص المعتمدة.

(1) - الخطيب البغدادي: (653هـ) الكفاية في علم الرواية. ط دار الكتب العلمية، بيروت، 1357 هـ ص 404

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت