ثالثا: سعة الأفق.
من المعلوم أن العلم المنتشر في هذه البلاد نوعان: علم اللغة وعلم الفقه. ولم يعرف من الفقه إلا المذهب المالكي ولا من المذهب المالكي إلا طريقة ابن القاسم. فمختصر خليل وما اندرج تحته من شروح ومختصرات هي كل الفقه المعروف في هذه البلاد. ومن أجل ذلك حتم العلماء على الناس التقليد، ووصل البعض إلى حد التعصب بحيث يرد النصوص الشرعية لمجرد أنها لم ترد في كتب المذهب المعروفة أو لمخالفتها لهذه الكتب. فكان من مميزات الشيخ أبي بكر جومي توسيعه لآفاق الناس وتشجيعهم على الاطلاع في سائر الكتب ولو أنها مخالفة لكتب الفقه المختصرة المعهودة، فانتشر حينئذ قراءة بلوغ المرام وشرحه سبل السلام، ومنهاج المسلم وفقه السنة ونيل الأوطار، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري وغيرها من الكتب.
والأمر الآخر الذي امتاز به الشيخ جومي هو إرشاد الناس إلى المشاركة في العلوم العصرية وبخاصة العلوم التجريبية. فقد دعا الشيخ إلى ذلك وشجع عليه وطالب المسؤولين بتطوير وسائل العلوم وإعطاء الفرص للمسلمين في هذا المجال. وكان يقول في وعظه إن القرآن والسنة لا يخالفان ما توسل إليه العلم التجريبي بل القرآن قد جاء بكثير من نتائج العلوم المكتشفة، ويستشهد على ذلك بكثير من الآيات القرآنية على أن ذلك من معجزات القرآن الباهرة التي تثبت أنه تنزيل من حكيم حميد.
المطلب الثاني:
جهوده في الدعوة إلى التمسك بالسنة، ومحاربة البدع.
لم يكن المسلمون حين وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ليحتاجوا إلى شيء سوى الوحيين الكريمين , فهما وصية النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة:"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله". [1] وهما المحجة البيضاء التي يستوي في الضياء ليلها ونهارها، غير أن المسلمين اختلفوا بعد ظهور الفتن وتشعبت بهم السبل ولم يعودوا يدا واحدة كما كانوا من قبل، بل ظهرت البدعة وحصل الافتراق حتى تحقق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم:"افترقت"
(1) - مضى تخريجه في ص