والعلم ليس بنافع أربابه ... مالم يفد عملا وحسن تبصر
سيان عندي علم من لم يستفد ... عملا به وصلاة من لم يطهر
فاعمل بعلمك توف نفسك وزنها لا ترض بالتضييع وزن المخسر [1]
وقد سبقت طائفة من مآثره في فصل سابق فأغنى عن الإعادة، وإنما المقصود هنا أن نتناول النقاط التالية التي تدل على ما كان عليه من إعطاء القدوة الحسنة.
أولا: أسلوبه في الإجابة على أسئلة الناس.
كثير من المنتسبين إلى السنة وإلى العلم الشرعي يحرصون على الاستفتاء في كل المسائل بيد أن الغالب على طائفة منهم عدم التأدب بآداب طلبة العلم، والتخلق بأخلاق أصحابه. وقد بلي الشيخ أبو بكر جومي بكثير من هذا الصنف، فكانوا يسألونه الأسئلة المتهافتة الغرض منها إثارة الفتن وزعزعة أفكار الناس أو التشهير برأي المفتي أو الاستهزاء به. وكان البعض منهم يلقى الأسئلة على عواهنها في أول الدرس أو وسطه حسبما شاء من دونما استئذان من الشيخ أو انتظار لينهى الشيخ كلامه الذي هو في أثنائه أو يكون السائل جافا في أسلوبه غليظا في ألفاظه جهوريا في صوته، بحيث وصل بأحدهم سوء الأدب إلى أن يقاطع الشيخ في كلامه ويقول له"كفرت بهذا الذي ذكرت". وكان الشيخ أبو بكر جومي يجيب على أسئلتهم بكل هدوء ووقار ويواصل درسه إذا اقتضى الأمر ذلك، ولم يكن يبالي بكثرة الضجيج ولا كان يرد بالمثل لمن أساء الأدب إليه، ولكنه كان لبيبا يتفطن لأسئلة الاستهزاء ويعرف كيف يجيب عليها بما يناسبها. ويتصف بالحلم عند مضايق الأسئلة، فمثلا لم يجب الذي قال له:"كفرت بهذا الذي ذكرت"إلا أنه تشهد بكلمة الشهادة التي هي مفتاح الإسلام ثم قال له: هل دخلت الآن في الإسلام؟ فقال: نعم. قال: إذن لنستمر في درسنا!
ثانيا: أسلوبه في الرد على المخالف والحوار معه.
لم يكن الشيخ أبو بكر جومي يشهر في دروسه ومجالسه بالمناوئين له من العلماء وزعماء الطرق كفعل الكثير منهم تجاهه. فإنه كان يرجو هدايتهم ويخاف أن يقطع خط الرجوع عنهم، فكان يناقش الأفكار ويعرض الآراء ثم يبين بالحجج ما هو الحق في نظره ويرد على ما يعتقد
(1) - ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله 2/ 9