على لزوم الآداب وسلوك سبيل العلماء وطلبة العلم وتعليم آداب المفتي والمستفتي، والدارس والمدرس، وآداب الجليس وتوقير الكبير في السن والعلم والكف عن المسائل النادرة وغير الواقعة، واجتناب مواطن الشبهات، إن ذلك كله يعد جزءا من أهداف دعوة العالم الرباني. ويلاحظ المستمع إلى أشرطة دروس الشيخ أبي بكر جومي أنه أكثر من الغض عن هذه الأمور، لأنه يؤثر الصبر والتحمل ولا يطالب الطلاب والمتعلمين بشيء مما هو حقه بخاصة فيما يتعلق بتوقير العالم والكبير في السن، ومراعاة حرمة مجالس العلم. فلم أسمع قط أنه نهى سائلا عن السؤال ما. [1] ولا زجر عن السؤال عن المسائل النادرة وغير الواقعة، أو المسائل المشكلة التي تؤجج نار الفتن بين المسلمين، بل لم يكن يؤدب المسيئين لآداب الكلام في أسئلتهم ومواجهتهم له بالرد أو التشنيع. وهذا وإن كان يمدح من حيث أنه صبر وتحمل وعدم المطالبة بحق النفس إلا أنه في الوقت نفسه جرأ الكثيرين على النيل من أهل العلم والمواصلة في إساءة الأدب بحيث أصبح من الصعوبة بمكان أن يحل محل الشيخ غيره من المدرسين والمربين في مجالسه التي كان يقوم عليها. ولولا فضل الله تعالى بطلاب الشيخ لما قام فيهم أحد مقامه إذ هو أتعب من بعده بصبره وتحمله لصنوف الأذى من الأتباع قبل المناوئين.
فعلى المدرسين أن يراعوا جانب الأدب من تلاميذهم ليس لحظوظ أنفسهم والمطالبة بحقوقهم ولكن لمصلحة تلاميذهم كي يحصلوا على بركة العلم. ومن أجل ذلك كان من دأب علمائنا الأفاضل أن يجعلوا كتاب"تعليم المتعلم طريق التعلم"للشيخ الزرنوجي من أوائل وأولويات الكتب التي يدرسها الطالب المبتدئ من قبل الغوص في مهامه العلوم المختلفة.
رابعا: درس في معاملة الحكام.
إن موضع العلماء والأمراء من الأمة كموضع القلب من الجسد، فبصلاحهم تصلح الأمة ويستقيم الناس، وبفسادهم تفسد الأمة، ويزيغ الناس عن الصراط المستقيم، ولذلك حث الشرع الحنيف على طاعة هؤلاء وسماهم أولى الأمر. ويعجبني بهذا الصدد أن أنقل للقارئ الكريم قول سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: _
(1) - ثم سمعت هذا في شريط له بعد أشهر من كتابة هذه الأسطر، ولكن يبدو أنه أمر نادر. والله أعلم.