"لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء فإن عظموا هذين أصلحوا دنياهم وأخراهم وإن استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم". [1]
ولهذا فإن اتصال العلماء بالحكام ومناصحتهم فيما هو من اختصاصهم أمر معروف من الدين. فقد روي مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله"إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم". [2]
فالشيخ أبو بكر محمود لازم هذا المسلك في كل الولاة والحكام الذين تولوا شئون هذه البلاد إلا أنه تغير منه هذا المسلك في عهد حكومة الرئيس محمد بخاري الذي تولى عن طريق الانقلاب على الرئيس المنتخب الحاج عثمان علي شاغاري. فتغير موقف الشيخ أبي بكر جومي من هذا الرئيس وحكومته. وجهر بعدم رضاه عن بعض القرارات المتخذة من قبل المجلس الأعلى للدولة وأبدى عدم استيائه لمواقف وقفها الرئيس نفسه مما جعل الحكومة تشدد النكير هي الآخرى عليه وتسلب عنه جواز سفره إلى حين. ثم تأمر بتفتيش بيته، وإيقاف راتبه ثم بالتقاعد من منصبه لرئيس القضاء الشرعي.
وفي نظر الباحث أن الشيخ رحمه الله قد جانب الصواب في هذا الموقف. فإن نصح الحاكم وإن كان من الأمور المطلوبة من العلماء بل هي لازمة عليهم لكن الإسرار في ذلك مطلوب. وكذلك اللين والرفق، فإن الحاكم مهما كان ظالما وطاغية لن يبلغ طغاوة فرعون، ولا العالم الناصح يبلغ نصح موسى وهارون عليهما السلام، وقد أرسلهما الله عز وجل إلى فرعون، وقال: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [3]
قال ابن النحاس:"ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد. بل يود لو كلمه سرا ونصحه خفية من غير ثالث لهما". [4]
(1) - تفسير القرطبي: 5/ 260 - 261
(2) -أخرجه مسلم (3/ 1340) وأحمد في المسند (2/ 367) .
(3) - سورة طه: آية رقم
(4) - تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين عن أفعال الهالكين ص 62 وانظر معاملة الحكام ص 46