فهرس الكتاب
أما في الاستعمال القرآني، فقد وردت مادة (غَمَمَ) بدلالتها اللغوية المُشعرة (بالستر والتغطية) ، أربع مرات [1] ، بصيغةٍ اسميةٍ واحدةٍ هي: الجمع (غَمَام) وهو: اسمُ جمعٍ مفرده (( غَمَامة، مثل سحاب واحدته سَحابَة ) ) [2] .
ففي قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [3] ، دلالةً على تسخير السحاب لبني إسرائيل يُظلهُم، وإنَّ هذا الإظلال كان بعد خروجهم من مصر، وكانت تلك السُّحُب تسير بسيرهم، وتكون لهم ظُلَّة وسُترة تقيهم حَرَّ الشمس، وهي واحدة من النعم العاجلة التي مَنَّ بها سبحانه عليهم [4] ، ولكنهم لم يُعطوها حقها من الشُكر.
وقيل في وصف هذا الغمام: أنَّه أبرد وأطيب من الغمام العادي وهو الذي يأتي الله عزَّ وجل فيه يوم القيامة [5] .
أمّا قوله جلّ ثناؤه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَمِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ} [6] ، فلفظ (ظُلَل) هنا: جمع (ظُلَة) وهي ما يستظل به من الشمس، وسمّي السحاب (ظُلَة) هنا؛ لأنَّه يُستظل به. وقد صاغ سبحانه قوله هذا بسؤال استنكاري يحمل طابع التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين المرتدين الذين لا يدخلون في الإسلام، فماذا ينتظرون؟ فهم باقون على حالهم من الكفر إلى أن يأتيهم الله في ظُلل من السحاب والملائكة -في تصوّرهم-، أو يأتي سبحانه بعذاب. ويُلحظ عند تمام سياق الآية، أنَّ فرصة التوبة قد أفلتت منهم؛ لإصرارهم على كُفرهم وعنادهم، ولهذا قال سبحانه: {وَقُضِيَ الأَمْرُ} [7] .
(1) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم /641 (غمم) .
(2) معاني القرآن، الأخفش 1/ 95، جامع البيان 1/ 233.
(3) البقرة / 57.
(4) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/ 138، مجمع البيان 1/ 258، التفسير الكبير 3/ 17، تفسير ابن كثير 1/ 95 - 96، في ظلال القرآن 1/ 91.
(5) جامع البيان 1/ 233، تفسير ابن كثير 1/ 95.
(6) البقرة /210.
(7) ينظر معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/ 280، ومجمع البيان 2/ 179، في ظلال القرآن 1/ 307.