فهرس الكتاب
أخرى: بما أنّ (الظُّلمات) عدم، و (النُّور) وجود، والعدم سابق على الوجود، فمن المنطقي تقديم ما دلّ على العدم، على ما دلّ على الوجود [1] . فقد أجراهما تعالى مجرى (الليل) و (النهار) في التقديم -سيرد الحديث عنهما في مكانٍ لاحقٍ من هذا الفصل إن شاء الله-.
ويُلحظ أيضًا أنَّ القرآن الكريم لم يذكر (الظُّلمات) إلا بصيغة الجمع في جميع مواضع ورودها متقابلةً مع (النور) ، في حين لم يذكر (النُّور) إلا بصيغة المفرد، سواء أُريد بهما تأدية معانٍ حسيّة أم معنوية. وتعليل ذلك؛ أنّ (النور) بدلالته المعنوية يراد به: دين الحق والهداية، فوجب وروده بصيغة المفرد؛ لكونه أشرف [2] من الجمع، فهو نورٌ واحدٌ لا يتعدد، وهو الطريق المستقيم الذي لا طريق سواه بدليل قوله جلَّ شأنه في الأنعام [3] : {وَأَنَّ هَذَا صراطي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه} . أمّا (النور) بدلالته الحسيّة فهو واحدٌ أيضًا، وإن تعددت مصادره، وهو (الشمس) .
وتدل (الظُّلمات) بمفهومها المعنوي على: طريق الظلال والكفر والباطل والغيّ، وهذه الطُرقات كثيرة ومنوّعة؛ فجُمِعت إذن لا اختلافها [4] ، فضلًا عّما يصوره جمع (الظُّلمات) لنا عن مدى إبهام الطريق أمام الظال، فلا يهتدي إلى الحق وسط هذا الظلام [5] .
أمّا (الظُلمة) الحّسية فكثيرةٌ جدًا في هذا الكون؛ إذ إنَّ كل جسم يحجب النور ويظله بظله، فهو: ظُلمة، ولهذا أفرد (النور) وجُمِعت (الظلمة) في السياقات جميعها.
(1) الطبيعة في القران الكريم/ 484.
(2) تفسير ابن كثير 2/ 124.
(3) الآية /153.
(4) التفسير الكبير 12/ 151، وينظر معجزة القرآن /59، والطبيعة في القرآن الكريم /488، ومن أسرار التعبير في القرآن (صفاء الكلمة) د. عبد الفتاح لاشين/144، دار المريخ للنشر-الرياض. طبعة 1403هـ-1983م. مطبعة نهضة مصر، ولغة القرآن الكريم /346، وأضواء على متشابهات القرآن، خليل ياسين/128، بيروت-لبنان، 1388هـ-1969م، ودلالة ألفاظ القرآن الكريم عند ابن القيم، عبد الفتاح لاشين، مجلة الدارة - دار الملك عبد العزيز عبد العزيز -الرياض، العدد/4، السنة/8،إبريل 1983، ص/28.
(5) التعبير الفني في القرآن /196.