فهرس الكتاب
وقوبل بين اللفظين في موضعٍ واحدٍ من القرآن الكريم، وهو قوله تعالى من سورة النازعات [1] : {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا} فقد ساق سبحانه الحديث في سياقٍ منفي (بلَمْ) ، فاستعمل (العشي) للدلالة على: آخر النهار، في حين استعمل (ضُحى) للدلالة على: أول النهار وصدره [2] .
ويُلحظ ورود الضمير (الهاء) في قوله: (ضُحاها) عائدًا على عشية، قاصدًا: (ضُحى العشية) . فأضاف (الضحى) إلى (العَشِيّة) [3] ، فأراد -سبحانه- بذلك أنَّ الكفار إذا رأوا الآخرة صغرت الدُنيا في أعينهم، فكأنهم لم يقيموا بها إلاّ مقدار عشية أو ضحى تلك العشية [4] .
ويُلحظ أنَّ القرآن قد قدم (العشية) على (الضُحى) في موضع تقابلهما الدلالي من سورة النازعات، فقدَّم الذي فيه خفاء وظلَّة على الذي فيه وضوح ونور خلافًا للسياقات الأخرى التي قُوبل بها (العشي) بـ (الغداة) تارةً وبـ (البكرة) تارةً أخرى-والتي ستوضح في موضعٍ آخر من هذا البحث إن شاء الله-. وقد عُلل ذلك بأنَّ (( الظُلمة عدم، والنور وجود، والعدم سابق على الوجود ) ) [5] .
(1) الآية /46.
(2) معاني القرآن، الفراء 3/ 234.
(3) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/ 282، مجمع البيان 30/ 26.
(4) مجمع البيان 30/ 26، تفسير ابن كثير 4/ 470.
(5) الطبيعة في القرآن الكريم /484.