فهرس الكتاب
الثالثة: كلها تحتاج إلى تأويل، مثل رؤيا ملك مصر: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [1] . فهذا تقسيم التهانوي للرؤيا. والحق أن الثاني والثالث ضربٌ واحد، إذ كلاهما يعبّر عن رموز تحتاج إلى تأويل.
فالمتأمل في النصوص السابقة، يلحظ أنّ ألفاظ تلك الرؤى عبارة عن رموز طبيعية لها تحتاج إلى تأويل، فلم يعبر -سبحانه- عن تلك الرؤى بألفاظٍ ظاهرة، بل عبّر عنها برموز تدل على تلك الألفاظ الظاهرة. كالذي في قوله تعالى على لسان نبيه يوسف - عليه السلام - وهو يقصّ رؤياه على أبيه: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَجِدِينَ} [2] . فقد وصف أبو جعفر الطوسي [3] (ت460هـ) قوله تعالى: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} بأنّه تَركٌ للظاهر، ويريد أنه لا يفسَّر بحسب ظاهر لفظه، إذ هو رمز للتعبير عن اخوة يوسف الأحد عشر وأبويه، إذ (الأحد عشر كوكبًا) : اخوته، و (الشَّمسَ والقمَرَ) : أبواه. و (الأحدَ عشرَ) اسمان جُعلا بالتركيب اسمًاواحدًا، منصوبًا على فتح الجزأين، لأن العرب جعلت العدد ما بين (أحدَ عشر) إلى (تسعة عشر) منصوبًا في خفضه ورفعه [4] . ولهذا التركيب قراءتان أوردهما ابن جني [5] :
الأولى: مشهورة، وهي بفتح العين (عَشَر) ، وهي لغة جيدة عند البصريين [6] .
الثانية: شاذة، وهي بإسكان العين (عَشْر) [7] ، وقد علّلها ابن جني [8] بأنّ الاسمين لما جُعلا كالاسم الواحد بني الأول منهما؛ لأنّه كصدر الاسم، والثاني منهما، لتضمنه معنى حرف العطف فلم يُجز الوقف على الأول؛ لأنّه كصدر الاسم من عَجُزه. فجُعِل تسكين أول الثاني دليلًا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد.
(1) يوسف /43.
(2) يوسف /4.
(3) تفسير التبيان في القرآن 12/ 95، مجمع البيان 12/ 11 - 12.
(4) معاني القرآن، الفراء 2/ 33.
(5) المحتسب 1/ 332.
(6) التبيان في تفسير القرآن 12/ 95.
(7) مختصر في شواذ القرآن /62.
(8) المحتسب 1/ 332.