فهرس الكتاب
أما قوله: {لِي سَجِدِينَ} فقد عبّر بهذا اللفظ عن جماعة الذكور العقلاء بضرب من التجوز القائم على التشخيص الفني للكواكب والشمس والقمر، فاستعمل ضمير العقلاء، بدلًا من ضمير غير العقلاء. وقد أسند إليها حَدَث السجود [1] ، ولذا لم يقل (ساجدة) أو (ساجدات) ؛ لأنّه وصف هذه الكواكب بالسجود والطواعية كما يوصف الآدميون بذلك، فأجرى فعلهما مجرى فعل العقلاء [2] بهذه الصيغة الجمعية التشخيصية. فيمكن القول: إنّ (أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر) عناصر من الطبيعة البعيدة، رَمَزَ بها القرآن للدلالة على إخوة يوسف وأبويه. والذي جوّز ذلك: وصفه لها بلفظة (ساجدين) والتي هي جمع مذكر سالم، إذ السجود الحقيقي من عمل العقلاء ومنهم الآدميون.
ومن التعابير القرآنية الرمزية، التقابل الرمزي الذي أشار إليه -سبحانه- بقوله: {وَسَبْعَ سُنْبُلتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ} [3] على لسان ملك مصر. فأراد بذلك: أرى في منامي سبع سنبلات قد انعقد حبلها، وسبعًا أخر قد احتُصِدت فالتوت اليابسات على الخُضْر حتى غلبن عليهن [4] . فرمز بذلك -سبحانه- إلى أحداث ستقع، برموز من الطبيعة الحية المنبئة عن حالة ستقع مستقبلًا، وجعل تأويل تلك الرموز على لسان يوسف - عليه السلام - بإلهامٍ وتعليمٍ منه -سبحانه-. وقد أشعر التقابل الدلالي بين (يابسات) وبين (خضر) في الآية الكريمة، بأنَّ (الخُضْر) لا تتعلق باللون المرئي بالعين، بل تتعلق بطبيعة تلك السنابل، فهي طريّة ليّنة وليست جافة صُلبة. فرُمِز بهذا الوصف (السنبلات السبع الخُضر) هنا للدلالة على السنوات السبع المُخصبة بالزُروع والثمار، مُرشدًا إياهم إلى ما
(1) التشخيص الفني لعناصر الطبيعة في القرآن الكريم، د. كاصد الزيدي، مجلة (منار الاسلام) أبو ظبي، ص26، العدد6، السنة 27، 2001.
(2) معاني القرآن، الفراء 2/ 33 - 35، معاني القرآن، الأخفش 2/ 361، التبيان في تفسير القرآن 12/ 95، مجمع البيان 12/ 11.
(3) يوسف /43، ومثلها في يوسف /46.
(4) مجمع البيان 12/ 68.