فهرس الكتاب
وقد وصف القرآن ذلك الماء النازل من السّماء بأنَّه (مُبارك) ، دلالةً على كثرته، إذ يُوصف بالبركة لما يُشاهد من ثبوت الخير الإلهي في الشيء، من حيث لا يُحس. فهو مُبارك، وفيه بركة [1] . لذلك قال جلَّ ثناؤه: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [2] . فبركة ماء السماءُ متمثلة بجريان الينابيع في الأرض، ثم إخراج الزروع بمختلف الألوان والأشكال. وسبب ذلك أنَّ هذا الماء سيُحيي الأرض بالنبات ويُديم فيها النِعَم ويجعلها خضراء، بعد أن كانت جرداء. فهو سبب الخير والنماء والعطاء والخُضرة.
وقد عبّر القرآن عن ذلك الماء تارةً بلفظ (الغيث) أيضًا، فوردت مادة (غَيَثَ) تسع مرات [3] ، بصيغتين: الأولى: الصيغة الفعلية (( غَاثَ يَغُوثُ ) ) [4] حاملةً دلالة: المناشدة والدعوة للمساعدة والإعانة، كالذي في قوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا} [5] . والثانية: صيغة اسمية، إذ ورد (غيث) مصدرًا [6] مُشتقًا من (غَاثَ يَغوث) ، حاملًا دلالة الماء النازل من السماء، كما في سورتي لُقمان والشُورى، إذ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [7] ، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [8] ، وإنَّما ورد التعبير في هاتين الآيتين الكريمتين عن (الماء) (بالغيث) ؛ لكون (الغيث) يغيث الناس بإحياء الأرض بالنبات والاستسقاء منه لدوابهم وأرضهم وأنفسهم، إذ (( الغين والياء والثاء أصلٌ صحيح، وهو الحيّا النازل من السماء، يقال: جادَنا الغيث، وهذه أرضٌ مُغِيثَةٌ ومَغيُوثَةٌ. وغِثْنا، أي: أصابنا الغيث ) ) [9] . وبذلك يكون في (الغيث) عنصر دلالي إضافي على لفظ (الماء) أو (الماء المبارك) ، وهو: معنى الإغاثة، بإخراج الناس من القحط إلى النعمة والخير. (فالغيث) على هذا الأساس
(1) المفردات /58 (برك) .
(2) ق /9.
(3) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن /644 (غيث) .
(4) جمهرة اللغة 2/ 47 (غيث) .
(5) الكهف /29.
(6) تاج العروس من جواهر القاموس، للزُّبيدي 5/ 317 (غيث) تحقيق: مصطفى حجازي.
(7) لقمان /34.
(8) الشورى /28.
(9) مقاييس اللغة 4/ 403 (غيث) .