فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 273

(( نفعٌ يأتي على شدّة حاجة، بنفي المضرّة ) ) [1] ، لأنّه (( الخاص بالخير، والكثير النفع، لأنّه يُغاث الناس به ) ) [2] .

ومن ذلك يتبيّن أنّ القرآن الكريم قد استعملت لفظ (الغيث) بديلًا عن (الماء) في مواضعٍ ذُكرت فيها نعمة الله لعباده؛ لتماثلهما وتشابههما في الدلالة على الماء النازل من السّماء، وفي الوقت نفسه، فإنَّ القرآن لم يستعمل (المطر) بديلًا عن (الغيث) ، لأنّ (المطر) لا يستعمل فيه إلاّ في مواضع العقوبة والانتقام [3] . وقد التفت إلى ذلك قديمًا الجاحظ [4] ، ناقدًا من يضع أحدهما مكان الآخر، إذ قال: (( وكذلك ذكر المطر، لأنّك لا تجد القرآن يلفظ به إلاّ في موضع الانتقام. والعامّة وأكثر الخاصّة لا يفصلون بين ذكر(المطر) وبين ذكر (الغيث ) )). فهذا في استعمال القرآن.

على حين لو استقرينا نصوصًا شعرية جاهلية، لوجدناها لا تفرق بين (الغيث) و (المطر) في الاستعمال؛ إذ يحل (الغيث) عندهم محل (المطر) والعكس، فكانوا (( يستعملون الكلمتين، وكأنّهما مُترادفتان، وربَّما كان الوزن الشعري، والسّياق اللغوي هو الذي يُفسر قول الشاعر، مثال ذلك قول أعشى يرثي أحد الرجال [5] :

نُعِيتُ مَنْ لا تَغِبُّ الحَيَّ جَفْنَتُهُ ... إذا الكَواكِبُ أخطأ نَوْها المطرُ [6]

ونجد أيضًا عددًا من المعجمات العربية، تفسّر (الغيث) بأنّه (المطر) ، فهذا صاحب اللسان (ت711هـ) مثلًا لم يفرق دلاليًا بينهما حين قال: (( الغيث: المطر، والجمع أغْياث وغِيُوث ) ) [7] ، وقال أيضًا: (( المطر: الماء المنسكب من السحاب ... والجمع: أَمْطار ... وأمْطَرَني بخيرٍ: أصابني ) ) [8] .

(1) مجمع البيان 12/ 67.

(2) تاج العروس 5/ 317 (غيث) .

(3) البرهان في علوم القرآن 4/ 9 - 10.

(4) البيان والتبيين 1/ 20.

(5) وهو من البحر البسيط، مجموع أشعار العرب (الأصمعيات) /33، تصحيح وترتيب: وليم بن الورد البُروسي، مراجعة: لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة-بيروت /ط1، 1401هـ-1985م.

(6) التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم، عودة خليل عودة /505، مكتبة المنار، الزرقاء -الأردن /ط1، 1405هـ-1985م.

(7) لسان العرب 2/ 480 (غيث) .

(8) المصدر نفسه 5/ 178 (مطر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت