فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 273

أمّا القرآن الكريم، فقد ميّز بينهما بدقّة في الاستعمال، إذ أعطى لكل منهما دلالته الحقيقية واستعماله الخاص به، بأن (( جعل كلًا منهما مصطلحًا قائمًا بذاته عند كل من يتحرى الدقّة في فهم آيات الله ومعانيه ) ) [1] .

إذ أنَّ (الغيث) في القرآن الكريم -وقد تقدّم بيانه- دال على الماء النازل من السّماء، الذي يحمل معه الرحمة والبركة والنفع للعباد، فيكون سببًا في نماء الزروع والأثمار، التي تؤدي إلى إشاعة السَّعادة والبهجة النفسّية. وقد بيّن الطبرسي (ت548هـ) الفارق الدلالي بين دلالة (الغيث) ودلالة (المطر) بقوله: (( ما كان نافعًا في وقته فهو غيث، والمطر قد يكون نافعًا وقد يكون ضارًا في وقته وغير وقته ) ) [2] . وبيّن الثعالبي [3] (ت429هـ) أنّ: ما جاء عند الحاجة إليه كان غيثًا وماءً. وما جاء في غير حاجة فهو مطر. وأيضًا فإنَّ ما تجاوز مقدار الحاجة من هذا الماء النازل من السّماء، بحيث صار ضارًا يقع في نطاق ما يُسَمّى مطرًا ولا يُسمّى غيثًا.

فضلًا عن الفارق الصوتي المتعلق بأجراس أصوات كل من اللفظتين، فأصوات كلمة (غيث) تمتاز بخلوها من الشدّة، إذ (الغين) و (التاء) رِخوان [4] . وقد وقعت بينهما (الياء) ، وهي صوت ليّن متوسط. على حين توسّط (الميم) و (الراء) وهما صوتان متوسطان [5] ، صوت شديد مُطبق وهو (الطاء) [6] ، في كلمة (مطر) . فهذا فارقٌ صوتي واضح بين اللفظتين.

(1) التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم /507.

(2) مجمع البيان 25/ 53.

(3) كتاب فقه اللغة وسر العربية، للثعالبي /411، مطبعة الاستقامة، 1378هـ-1959م.

(4) الأصوات اللغوية، د. إبراهيم أنيس /47و87، مكتبة الأنجلو-مصر /ط5، 1975م.

(5) الأصوات اللغوية، د. إبراهيم أنيس/45و64.

(6) المصدر نفسه /61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت