فهرس الكتاب
فذكر أنَّ (السوق) هو: (( حَثُّ الشيء في السير حتى يقع الإسراع فيه، فيقال: سَاقَهُ يَسُوقُهُ سَوْقًا، وآستاقَهُ استياقًا ) ) [1] .
وقد ورد الفعل (سُقْنا) بصيغة الماضي المُتصل (بنون العظمة) مع أنَّهُ فعل دائم، أو مُستقبل [2] . فبتلك النون نسب سبحانه السوق إليه، مُجريًا ذلك بأسلوب (الالتفات) ، خارجًا به ضمير الغِيبة في لفظة (رحمته) إلى ضمير المتكلم (نا) في (سُقناه) ، لما في هذه الصيغة من عظيم المِنَّة [3] ، ببيان قدرته تعالى في سوق السحاب ذاهبًا به أنًّى يشاء.
ونلحظ ورود عبارة (البلد الميِّت) في سياق كلتا الآيتين، وقد وردت هذه العبارة بعد لفظ (سُقْناه) مباشرةً؛ لُمناسبة (نون العظمة) المُشعرة بإحياء هذا البلد الميت بالنبات. فلو ماتَ نباته لمات أهله، من حيث إنَّ الماء حياة كلَّ شيءٍ في هذه الأرض.
أمّا الصيغة الأخرى التي ورد عليها فعل الَسوق، فهي (نَسُوق) بصيغة المُضارع المُتصل (بنون العظمة) ، حاملًا بذلك الدلالة اللغوية نفسها، فقد قال سبحانه وتعالى في سورة السجدة [4] : {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ} . فشبه تعالى هيئة السَّحاب بهيئة السائق للدابة [5] بتعبيره عن جريها بـ (نسوق) ، فيقول تعالى في هذه الآية الكريمة: نحن نسوقُ ماء المطر إلى الأرض الجُزُر، وهي اليابسة الجافة الخالية من النبات؛ لانقطاع الأمطار عنها، فننبت به ضُرُوبًا من النبات الذي يتغذى به الإنسان والأنعام [6] .
فالواضح مما تقدم أنَّ (الإزجاء) و (السوق) بمعنى واحد، إذ كلاهما يدلُّ على سير السحاب المُحمَّل بالغيث وانتقاله من مكانٍ إلى آخر. فالعرب تقول: (( نحنُ نُزجي المطيَّ: أي نسوقُه ) ) [7] .
(1) التبيان 4/ 431، ومجمع البيان 8/ 82.
(2) ينظر تأويل مشكل القرآن /296.
(3) ينظر البحر المحيط 4/ 317.
(4) الآية /27.
(5) التحرير والتنوير 21/ 241.
(6) ينظر التبيان 8/ 309.
(7) معاني القرآن، الفراء 2/ 256.