فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 273

ونستطيع إرجاع تناظرهما الدلالي إلى كونهما متشابهين، من حيث إنَّ مُنّشِئهُما ومنبتهُما واحدُ، وهو خالق هذا الكون الواسع -سبحانه- بهذا الشكل البديع العجيب. (( فالشيء قبل أن يدخل في الوجود كان معدومًا محضًا ونفيًا صرفًا، فإذا أخرجه المُبدع المُوجود من العدم إلى الوجود. فكأنَّه بحسب التخّيل والتوهُّم شَقَّ ذلك العدم بفَلقِهِ، وإخراج المحَدث من ذلك الشَّق ) ) [1] ، فضلًا عن أنَّ كليهما مما تنبته الزروع، فهما أذن مجتمعان في ما هي الإنبات.

فعند وقُوع الحَّبة أو النواة في الأرض، يُظهر الله تعالى فيها شقين: أحدهما من أعلاها الآخر من أسفلها. فالشَّق العلوي تخرج منه الشجرة الصاعدة في الهواء، والشّق السفلي تخرج منه عُرُوق الشجرة وجذورها، فتصير تلك الحبة أو النواة سببًا لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض [2] .

وتتشابه الحبة والنواة أيضًا من حيث إن كليهما: جسمٌ صلبٌ يابسٌ لا حياة فيه ولا نماء [3] ، وعندما يكون متصلًا بالنبات الأصلي، أي: قبل وقوع الحبَّة أو النواة في الأرض وبدأ عمليه الإنبات.

أمّا الفارق الدلالي الذي يُمكن أن يُلحظ بين اللفظيين، فهو أنَّ الحبَّ في حالة انفلاقه تحت الأرض يخرج منه النبات النامي، الذي ينتج الحبوب على مختلف أنواعها. أما النواة فعند انفلاقه تحت الأرض، يخرج منها النبت الذي سيكون الشجر الصاعد، فينتج الثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطُعُومها كالخوخ والرُمَّان والعنب والتمر والزيتون وما شابهها [4] .

وقد تقدمت لفظة (الحب) على (النوى) في سياق تناظرهما من سورة الأنعام، ويرجع السبب في ذلك أن (الحب) هو الأصل في قوت الناس ولا يمكنهم الاستغناء عنه.

(1) التفسير الكبير 13/ 89.

(2) المصدر نفسه /90.

(3) التحرير والتنوير 7/ 388.

(4) مجمع البيان 2/ 139، والكشاف2/ 47، والتفسير الكبير 13/ 90، والبحر المحيط 4/ 84، وتفسير أبن كثير 2/ 159، ومعترك الأقران 3/ 61، وفي ظلال القران 7/ 313.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت