فهرس الكتاب
غاب )) ، وعلّل ذلك بأنهم (( قالوا: أفَلَ كما قالوا: غَبَرَ؛ لأنّ أفَلَ: غَابَ، والغابِر: غائب أيضًا ) ).
وفرّق أبو هلال العسكري [1] دلاليًا بين استعمال اللفظيين، قائلًا: (( إنّ الأفول هو: غُيوب الشيء وراء الشيء، ولهذا يقال: أفَلَ النجم؛ لأنَّه يغيب وراء جهة الأرض. والغُيوب يكون في ذلك وفي غيره ) )ثم ضرب له مثلًا مما يدور في الاستعمال مفرقًا فيه بين استعمال (الأفول) و (الغيوب) فقال: (( ألا ترى أنك تقول: غَابَ الرجل، إذا ذَهَب عن البصر، وإن لم يُستعمل إلا في الشّمس والقمر والنجوم، والغُيوب يُستعمل في كل شيء ) ) [2] . وبيّن ذلك الراغب [3] أيضًا، بتحديده دلالة (الأفول) ذاكرًا أنّ: (( الأفول: غيُوبة النيِّرات كالقمر والنجوم ) )، وذكر في موضعًا آخر أنّ: (( الغَرْبُ: غيوبة الشمس ) ) [4] .
فمما تقدم يمكن القول: أن (أفَلَ) يُستعمل لاختفاء الأجرام السماوية فحسب، على حين يستعمل (غَرَبَ) فيه وفي غيره من الأشياء، إذا غابت عن البصر واختفت عنه بحيث لا تُرى، فضلًا عن استعماله للأجرام السماوية في حالة اختفائها عن الناظر. فبين اللفظيين إذن خصوص وعموم. فيلحظ من الاستعمال القرآني: أنّ (الغُرُوب) لم يستعمل فيه ألا صفةً للشمس، كالذي من قوله - عز وجل - في سورة الكهف [5] : {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . أمّا (الأفول) فاستعماله القران للكواكب والقمر والأجرام الأخرى، فضلًا عن استعماله للشمس أيضًا في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [6] . وهذا يدلُّ بجلاءٍ على دقة الأسلوب القرآني في انتقاء الألفاظ المناسبة التي تلائم السياق الذي ترد فيه، بحيث تؤدي معناها، الذي
(1) الفروق في اللغة/ 248.
(2) المصدر نفسه.
(3) المفردات /23 (أفل) .
(4) المصدر نفسه.
(5) الآية / 68.
(6) الأنعام /77 - 78.