فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 273

أحدها: أنّها النجوم الخمسة، تخنس بالنهار وتكنس بالليل، وأنّ هذا هو المعنى المراد في قوله تعالى من سورة التكوير. وقد وصف أبو جعفر النحاس [1] (ت 332هـ) هذا القول بأنّه أجلُّ الأقوال وأعرفها.

والثاني: الخُنَّس: الظِباء.

والثالث: الخُنَّس: بقر الوحش.

وفي القولين الأخيرين من بعد البُعد ما لا يخفى، ويعضد ذلك ترجيح النحاس للأول عليهما.

وقد ذهب أكثر المفسرين [2] إلى إنّ لفظتي (الخُنَّس) و (الكُنَّس) أريد بهما: النجوم والكواكب، وقد دلّ السياق على ذلك؛ إذ عُطف القسم (بالليل) و (النهار) على القسم (بالكواكب) ؛ لمناسبة جريان النجوم والكواكب ليلًا، ومما هو معلوم أنّ ظاهرة تعاقب الليل والنهار من أسمى مظاهر الحكمة الإلهية في هذا الكون، فليس من الملائم اقتران (الظباء) و (البقر) (بالليل) و (الصبح) -في السياق اللاحق- في قسمٍ واحدٍ؛ لعدم التناظر. ولذلك وصف ابن القيم الجوزية [3] (ت 751هـ) رأي من قال بأنّ (خُنَّس) و (كُنَّس) هنا معناهما: الظباء والوحوش؛ بعد تأدية اللفظيين ذلك المعنى، ذاكرًا في كتابه لذلك عشرة أدلة تؤكد أن المراد بذلك (النجوم) و (الكواكب) .

أمّا من حمل معنى (خُنَّس) و (كُنَّس) على تلك الحيوانات، فقد علّل ذلك بأنّ (( تلك الصفات حقائقها في أحوال الوحوش ) ) [4] . وهذا من الوهم؛ لأنّه حمل الكلام على ظاهره هو: الحقيقة، وفاته أنّ في التعبير ضربًا من المجاز، بتشبيه النجوم بهذه المخلوقات، وهذا من روائع التعبير القرآني، وهو كثير فيه، فكُنُوسها: دخولها في

(1) إعراب القرآن 5/ 160.

(2) ينظر مجمع البيان30/ 44، والكشاف 4/ 710، وتفسير ابن كثير 4/ 479.

(3) ينظر التبيان في أقسام القران/73 - 74.

(4) التحرير والتنوير30/ 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت