وَسَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: مُرْسَلاَتُ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدِي شِبْهُ لاَ شَيْءٍ، وَالأَعْمَشِ، وَالتَّيْمِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَالَ يَحْيَى: مُرْسَلاَتُ ابْنِ عُيَيْنَةَ شِبْهُ الرِّيحِ، ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: إِي وَاللَّهِ وَسُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قُلْتُ لِيَحْيَى: فَمُرْسَلاَتُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؟ قَالَ: هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنْ مَالِكٍ
وَالَّذِي نَخْتَارُهُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ سُقُوطُ فَرْضِ الْعَمَلِ بِالْمَرَاسِيلِ، وَأَنَّ الْمُرْسَلَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ إِرْسَالَ الْحَدِيثِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهْلِ بِعَيْنِ رَاوِيهِ، وَيَسْتَحِيلُ الْعِلْمُ بِعَدَالَتِهِ مَعَ الْجَهْلِ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَبُولُ الْخَبَرِ إِلاَّ مِمَّنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ كَوْنُهُ غَيْرَ مَقْبُولٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَدْلَ لَوْ سُئِلَ عَمَّنْ أَرْسَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يُعَدِّلْهُ، لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفَ الْعَدَالَةِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ حَالُهُ إِذَا ابْتَدَأَ الآمْسَاكَ عَنْ ذِكْرِهِ وَتَعْدِيلِهِ، لاِنَّهُ مَعَ الآمْسَاكِ عَنْ ذِكْرِهِ غَيْرُ مُعَدِّلٍ لَهُ، فَوَجَبَ أَلاَ يُقْبَلَ الْخَبَرُ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ الأَمْرُ عَلَى هَذَا، لاِنَّ إِرْسَالَ الثِّقَةِ تَعْدِيلٌ مِنْهُ لِمَنْ أَرْسَلَ عَنْهُ، وَبِمَثَابَةِ نُطْقِهِ بِتَزْكِيَتِهِ، قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِ الْعُدُولِ أَنَّهُمْ يُمْسِكُونَ عَنْ تَعْدِيلِ الرَّاوِي وَجَرْحِهِ، فَإِذَا سُئِلُوا عَنْهُ جَرَحُوهُ تَارَةً وَعَدَّلُوهُ أُخْرَى، فَعُلِمَ أَنَّ إِمْسَاكَهُمْ عَنِ الْجَرْحِ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ، وَكَذَلِكَ إِمْسَاكُهُمْ عَنِ التَّعْدِيلِ لَيْسَ بِجَرْحٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ سَاغَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الآمْسَاكَ عَنِ الْجَرْحِ تَعْدِيلٌ، لَسَاغَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الآمْسَاكَ عَنِ التَّعْدِيلِ جَرْحٌ، وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ قَدِ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْنَعُ مِنَ الْمُعَدِّلِ لِلشُّهُودِ، إِذَا سُئِلَ عَنْهُمْ بِالآمْسَاكِ عَنْ جَرْحِهِمْ، وَلاَ يُقْنَعُ فِي جَرْحِهِمْ بِالآمْسَاكِ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ، دُونَ إِيرَادِ لَفْظٍ يَقَعُ بِهِ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الآمْسَاكَ عَنِ الْمُرْسِلِ عَنْهُ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ لَهُ، أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُمْسِكُ غَيْرَ عَالِمٍ بِحَالِهِ مِنْ عَدَالَةٍ أَوْ جَرْحٍ، فَيُمْسِكُ عَنِ الأَمْرَيْنِ لِلْجَهْلِ بِهِمَا، وَهَذَا مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْحَالِ فِي الآمْسَاكِ عَنْ جَرْحِهِ وَتَعْدِيلِهِ، فَسَقَطَ مَا قَالُوهُ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: إنَّ رِوَايَةَ الْعَدْلِ عَمَّنْ أَرْسَلَ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ، وَلاِنَّهُ لَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ لَوَجَبَ إِذَا تَرَكَ الْمُحَدِّثُ الرِّوَايَةَ عَمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِثِقَتِهِ وَذِكْرِهِ لِسَمَاعِهِ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرْحًا، وَلَمَّا اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِ هَذَا، وَأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْعَدْلُ الرِّوَايَةَ عَمَّنْ يَعْرِفُ عَدَالَتَهُ، جَازَ وَصَحَّ أَيْضًا أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ يَعْرِفُ جَرْحَهُ أَوْ عَمَّنْ لاَ يَعْرِفُهُ عَدْلًا وَلاَ مَجْرُوحًا، وَلاَ أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا لِلْمُخَالِفِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْعَدْلِ عَمَّنْ أَرْسَلَ عَنْهُ مُمْسِكًا عَنْ جَرْحِهِ، تَعْدِيلٌ لَهُ، وَبِمَثَابَةِ لَفْظِهِ بِتَزْكِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلاَّ وَهُوَ مَرْضِيُّ عِنْدَهُ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ، لاِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ نعْرِفَهُ بِالْفِسْقِ، وَمَا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ لَوْ ذَكَرَهُ لَنَا، وَإِنَّمَا نَقْبَلُ تَعْدِيلَهُ إِذَا ذَكَرَ لَنَا الَّذِي أَرْسَلَ عَنْهُ، وَعَرَفْنَا عَيْنَهُ، وَلَمْ نَعْرِفْهُ نَحْنُ وَلاَ غَيْرُنَا بِجَرْحٍ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، فَأَمَّا أَنْ نَقْبَلَ تَعْدِيلَ مَنْ لاَ نَعْرِفُ عَيْنَهُ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ وَلَوْ قَالَ الْمُرْسِلُ: حَدَّثَنِي الْعَدْلُ الثِّقَةُ عِنْدِي بِكَذَا، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يَذْكُرَ اسْمَهُ،