بَابُ الْكَلاَمِ فِي الآجَازَةِ وَأَحْكَامِهَا وَتَصْحِيحِ الْعَمَلِ بِهَا
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الآجَازَةِ لِلأَحَادِيثِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى صِحَّتِهَا، وَدَفَعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَالَّذِينَ قَبِلُوهَا أَكْثَرُ،
ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَبِلَهَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَا تَضَمَّنَتِ الأَحَادِيثُ مِنَ الأَحْكَامِ:
فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ تَابَعَهُمْ: لاَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، لاِنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْمَرَاسِيلِ، وَالرِّوَايَةِ عَنِ الْمَجَاهِيلِ،
وَقَالَ الدَّهْمَاءُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: أنه يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَنَحْنُ نَسُوقُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ فِيهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِهَا، وَنَذْكُرُ الأَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ عِنْدَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
1011 - حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ مَسْعُودُ بْنُ نَاصِرٍ السِّجْزِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّرْخَابَاذِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنَ فَارِسِ بْنِ حَبِيبٍ يَقُولُ: مَعْنَى الآجَازَةِ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ جَوَازِ الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَاهُ الْمَالُ مِنَ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ، يُقَالُ مِنْهُ: اسْتَجَزْتُ فُلاَنًا فَأَجَازَنِي: إِذَا أَسْقَاكَ مَاءً لاِرْضِكَ ولمَاشِيَتِكَ، قَالَ الْقِطَامِيُّ:
وَقَالُوا فُقَيْمٌ قَيِّمُ الْمَاءِ فَاسْتَجِزْ ... عُبَادَةُ إِنَّ الْمُسْتَجِيزَ عَلَى قُتَّرِ
كَذَلِكَ طَالِبُ الْعِلْمِ يَسْأَلُ الْعَالِمَ أَنْ يُجِيزَهُ عِلْمَهُ فَيُجِيزُهُ إِيَّاهُ، والطَّالِبُ مُسْتَجِيزٌ وَالْعَالِمُ مُجِيزٌ وَيُقَالُ: إِنَّ الأَصْلَ فِي صِحَّةِ الآجَازَةِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَغَازِي، حَيْثُ كَتَبَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كِتَابًا وَخَتَمَهُ ثم دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَوَجَّهَهُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى نَاحِيَةِ نَخْلَةَ وَقَالَ لَهُ لاَ تَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ انْظُرْ فِيهِ.