فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 1282

ذِكْرُ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الآجَازَةِ:

وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ الطَّالِبُ إِلَى الرَّاوِي صَحِيفَةً قَدْ كَتَبَ فِيهَا: إِنْ رَأَى الشَّيْخُ أَنْ يُجِيزَ لِي جَمِيعَ مَا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِهِ فَعَلَ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّاوِي بِلَفْظِهِ: قَدْ أَجَزْتُ لَكَ كُلَّ مَا سَأَلْتَ، أَوْ يَكْتُبُ لَهُ ذَلِكَ تَحْتَ خَطِّهِ فِي الصَّحِيفَةِ، فيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ، فَهَذَا النَّوْعُ دُونَ الْمُنَاوَلَةِ فِي الْمَرْتَبَةِ، لاِنَّهُ لَمْ يَنُصَّ فِي الآجَازَةِ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَلاَ أَحَالَهُ عَلَى تَرَاجِمِ كُتُبٍ بِأَعْيَانِهَا مِنْ أُصُولِهِ وَلاَ مِنَ الْفُرُوعِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى مَا يَصِحُّ عِنْدَهُ عَنْهُ، وَهُوَ فِي تَصْحِيحِ مَا رَوَى النَّاسُ عَنْهُ عَلَى خَطَرٍ، لاِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ عَلَى صِحَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ إِلاَّ بِتَوَاتُرٍ مِنَ الْخَبَرِ، أَوِ انْتِشَارٍ يَقُومُ فِي الظَّاهِرِ مَقَامَ التَّوَاتُرِ،

وَفي بَابُ الْمُنَاوَلَةِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا يَقْطَعُ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَاتِهِ فِيهَا،

فَيَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ الَّذِي أُطْلِقَتْ لَهُ الآجَازَةُ أَنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ أُصُولِ الرَّاوِي مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ الأَثْبَاتِ، فَمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ، وَيَكُونُ مِثَالَ مَا ذَكَرْنَاهُ من قَوْلُ الرَّجُلِ: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي جَمِيعِ مَا صَحَّ عِنْدَكَ، أَنَّهُ مِلْكٌ لِي أَنْ تَنْظُرَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْوِكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ، فَإِنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَئمة الْمَدِينَةِ صَحِيحٌ، وَمَتَى صَحَّ عِنْدَهُ وُجُوبُ الْمِلْكِ لِلْمُوَكِّلِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وكَذَلِكَ فهَذِهِ الآجَازَةُ الْمُطْلَقَةُ مَتَى صَحَّ عِنْدَهُ فِي الشَّيْءِ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ.

سَأَلْتُ أَبَا بَكْرٍ الْبَرْقَانِيَّ عَنِ الآجَازَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُكَاتَبِةِ، فَقَالَ: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي تَرْكِ الاِحْتِجَاجِ بِهِمَا، إِلاَّ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الشَّيْخِ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِهِ، أَوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِهِ، فَيَنْظُرَ فِيهِ، فَإِذَا عَرَفَهُ وَصَحَّ عِنْدَهُ مَا فِيهِ أَجَازَهُ لِصَاحِبِهِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: قَدْ أَجَزْتُ لَكَ حَدِيثِي فَارْوِهِ عَنِّي، وَيُطْلِقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ،

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَلِكَ إِذَا بَعَثَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ كِتَابًا قَدْ نَظَرَ فِيهِ وَصَحَّحَهُ، وَكَاتَبَهُ بِأَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ، جَازَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَاتَبَهُ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ حَدِيثَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أَوْ كَمَا قَالَ.

وَلاَ أَرَى أَبَا بَكْرٍ وَهَّنَ إِطْلاَقَ الآجَازَةِ إِلاَّ لِمَا فِي تَصْحِيحِ أَحَادِيثِ الرَّاوِي مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَعَدَمِ أَمَانِ الْخَطَرِ فِي ذَلِكَ لاَ غَيْرُ، يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَنِّي دَفَعَتُ إِلَيْهِ وَرَقَةً قَدْ كَتَبْتُ فِيهَا أَسْمَاءَ جَمَاعَةٍ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُجِيزَ لَهُمْ أَشْيَاءَ، وَعَيَّنْتُ ذِكْرَهَا، ثُمَّ كَتَبْتُ فِي إِثْرِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ الَّتِي سَمِعَهَا مَنْثُورَةً وَمُصَنَّفَةً، وَعَلَى سَبِيلِ الْمُذَاكَرَةِ، وَمَا جَمَعَهُ وَصَنَّفَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ فِي ظَهْرِ الْوَرَقَةِ: قَدِ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ اسْمُهُ كَثِيرًا، وَأَجَزْتُ لِمَنْ سُمِّيَ فِي الصَّفْحَةِ قَبْلَ هَذِهِ جَمِيعَ مَا صَحَّ لَدَيْهِمْ مِنْ حَدِيثِي، مِمَّا ذَكَرُوهُ وَمَما لَمْ يَذْكُرُوهُ، أَنْ يَرْوُوهُ عَنِّي عَلَى الآجَازَةِ، إِذَا صَحَّ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت