بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَخْذِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالأَهْوَاءِ وَالاِحْتِجَاجِ بِرِوَايَتِهِمْ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي السَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالأَهْوَاءِ كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ، وَفِي الاِحْتِجَاجِ بِمَا يَرْوُونَهُ، فَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ صِحَّةَ ذَلِكَ، لِعِلَّةِ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَفُسَّاقٌ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِ مُتَأَوِّلٍ، وَمِمَّنْ يُرْوَى عَنْهُ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَقَالَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ: إِنَّ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ بِالتَّأْوِيلِ بِمَثَابَةِ الْكَافِرِ الْمُعَانِدِ وَالْفَاسِقِ الْعَامِدِ، فَيَجِبُ أَلاَ يُقْبَلَ خَبَرُهُمَا وَلاَ تَثْبُتَ رِوَايَتُهُمَا.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى قَبُولِ أَخْبَارِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، الَّذِينَ لاَ يُعْرَفُ مِنْهُمُ اسْتِحْلاَلُ الْكَذِبِ وَالشَّهَادَةُ لِمَنْ وَافَقَهُمْ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ فِيهِ شَهَادَةٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ إِلاَّ الْخَطَّابِيَّةَ مِنَ الرَّافِضَةِ، لاِنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ، وَحُكِي أَنَّ هَذَا مَذْهَبَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: تُقْبَلُ أَخْبَارُ غَيْرِ الدُّعَاةِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، فَأَمَّا الدُّعَاةُ فَلاَ يُحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِمْ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: أَخْبَارُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ كُلِّهَا مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا وَفُسَّاقًا بِالتَّأْوِيلِ.
فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى مَنْعِ قَبُولِ أَخْبَارِهِم، احْتَجَّ مَعَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ بِمَا: