فقد يكون الدعاة دعاة فكرة مجردة، تراهم كأروع الدعاة فهما للإسلام وعقيدته وأنظمته وقوانينه، وأكثرهم قراءة للكتب، ولعلهم من أشد المسلمين حماسة، وأخشعهم في الصلاة، ولكنهم ينفرون من التقيد بخطة ونظام، ما وقر في نفوسهم اعتقدوه، وما تبين لهم من طرق سلكوها، فهم قادة نفسهم، لا يبالون إن وافقت أعمالهم الدعاة الآخرين، أم خالفوها منفردين.
أولئك أبعد الناس عن الوصول إلى ثمرة إيجابية، وأولئك هم المراوحون.
أما الذين يفتحون للأمة اليوم نافذة تطل بها على نوع أمل، فإنما هم المنسقون.
إذ ما زالت التجارب والتطبيقات تظهر الأهمية العظمى لدور التنظيم في إحلال الانسجام والتنسيق بين جهود العاملين، مع استثمار أدنى درجات إمكانية إفادة الإسلام لدى الأشخاص استثمارًا إيجابيا مباشرًا.
وإن الخطة البارعة بإمكانية أن تجعل التنظيم مركزًا تسير في فلكه جهود الأفراد في انسيابية هندسية جميلة ليس فيها اضطراب، كانسيابية محيط الدائرة الجميل الاستدارة بالنسبة لمركزها.
إنما المركز روح الدائرة
نقطة فيها محيط، ضامره
ومن المركز للقوم نظام
ومن المركز للقوم دوام (1)
فليس في الجهود المبذولة ما هو صغير إذا جاء في حينه المناسب، ومكانه المناسب، وللدعوة متطلبات واحتياجات متكاملة، بعضها يكمل بعضا، والجهود المبذولة للوفاء بها متكاملة: صغيرها يكمل ويقوى كبيرها.
وإن العمل الذي يديم سير الجماعة الداعية:
(تراه كالدائرة: يصعد بك محيط ويحبط، لا من أنه نازل أو عال، ولكن من أنه ملتف، مندمج، موزون، مقدار) (2) .
فليس ثمة جهد في هذا العمل تظنه في قيمته وأهميته نازلا، فيسوغ إهماله، وإنما كل الأعمال على بعد واحد من المركز إذا كانت ضمن الخطة موزونة مقدرة.
تكامل في التطبيق
ثم يكون الشمول ثانيا.
(1) ديوان الأسرار والرموز/123.
(2) من تشبيهات الرافعي لبعض الأمور خلال وحي القلم 3/426.