الصفحة 135 من 168

لم تكن وثبته تلك وثبة انتقام، ولا حب تسلط، ولكنه نظر النظر البعيد، ورأى أن لا بد من تغيير يحفظ اليمن في يد الإسلام قبل أن تمد له يد تغيير تقلد موجة الشرور، وتحاكي انقلابات الآبقين.

ولكن شاء الله ما لم يحسب الزبيري وصحبه، فهاجر طريدا متنقلا في البلاد.

لقد فقد جهدًا، وضيعت عليه فرصة، لكنه احتفظ بملك حرية قلبه، ففخر بما ملك وازدهي، واستعلي وتباهي وأنشأ يقول:

خذوا كل دنياكم واتركوا

فؤادي حرا وحيدًا غريبا

فأني أعظمكم دولة

وإن خلتموني طريدا سليبا (1)

إن دولته القلبية الحرة لأعظم من كل دولة أرض كان يمر بها تقام على تزوير، أو دولة أخرى انقلب عليها، صدقت، لكنها تورطت في تقصير حق عليها به قول التغيير.

إنه فخر ولا ككل فخر تحمله هذه الأشطر.

إنه فخر داعية يتجاوز أن يكن مجرد فخر بحرية القلب.

إنه عهد عمل صاغه في كلمات من لغة الدعاة.

وللدعاة في عهودهم سمت أخذوه عن الزاهد جعفر الخلدي البغدادي، وسنة في الوفاء ابتدعها لهم، من حين أن قال:

(ما عقدت لله علي نفسي عقدًا فنكثته) (2) .

بهذه النفس كان الزبيري، أديب اليمن الفذ، يستعد استعداد من يملك الحرية، ويحركه الأمل، ويتعالى على حدود الأقطار، ويستخف بالمحن.

خصال أربع منحته الصبر في فترة الصبر، ووهبته التصميم على المناداة بالإسلام في فترة العمل، فأسس الحزب الإسلامي في اليمن المتصارع يوم كان وزيرا للمعارف والتربية بعد الثورة في الستينات، فتلقي رصاصات في صدره نقلته إلى ما نحسبها شهادة له.

حسبوا أن الرصاصات ستنهي عمله، فكانت رصاصات قدمت لظهور المد الإسلامي الواعي الكفيل بإعادة السعادة إلى اليمن الباكي المعروف بالسعيد.

حرص على البيع

ترى: أكان الزبيري يجهل أن جهره سيجلب الرصاصات إلى صدره؟

كلا، لكنها كذلك تضرب اليمن الأمثال....

إنها سنة الدعاة في الحرص على الموت...

(1) مجلة (المسلمون) 2/821.

(2) تاريخ بغداد 7/229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت